شاءت الصدفة أن يتزامن مقالي الأخير المتضمن جزئية حول فصل الرياضة عن السياسة، مع تصريح مثير للجدل للاعب منتخب مصر السابق والمحلل الرياضي بقنوات بي إن سبورت، قال فيه:
«إحنا مش بتوع كورة وبس، إحنا بتوع كله.. هناك قضايا أهم من الكورة، ويجب أن تكون كمحلل رياضي مُلِمْ بكل حاجة.. اللي مش عاجبه يطفي التلفزيون.. ما فيش تعليمات، في حرية».
وبالرغم من أن النقاش حول خلط الرياضة بالسياسة قديم جداً، إلا أنه لم يحظ بالاهتمام الكافي من المتخصصين في الإعلام ومراكز البحوث، ولا بجدية التنفيذ من قبل المسؤولين عن المؤسسات الرياضية المحلية والدولية. وفي اعتقادي بأن هذا النأي نابع من كون الموضوع شائكاً ومليئاً بالتجاذبات وازدواجية المعايير من كل الأطراف. وبهذا الشأن، أشرتُ في مقالي السابق لعدد من الأمثلة التي توضح ازدواجية المعايير الغربية نفسها؛ وكيلها بمكيالين عندما يتعلق الأمر بمبدأ: «عدم خلط الرياضة بالسياسة»، وكيف أنها تطالب بحزم بتطبيق هذا المبدأ ثم تغفله كلياً عندما يتعلق الأمر بمصالحها ورغباتها، وهو أمر يتجلى بوضوح في محاولات فرض أيدولوجيا الشذوذ في الفعاليات الرياضية الدولية؛ دون مراعاة لثقافات الدول وقيمها، ويتضح أيضاً في وضع العلم الأوكراني على الشاشة خلال المباريات الأوروبية، بل وحتى في موضوع نزول اللاعبين على ركبهم تأييداً لحركة BLM «حياة السود مهمة»، والتي أثارت – ولا تزال- كثيراً من الجدل الإعلامي والرياضي والسياسي في أمريكا وبعض الدول الأوروبية.
وتعتبر اللجنة الأولمبية الدولية أول من وضع هذا المبدأ في مواثيقها، وذلك لأهداف تشمل: الحفاظ على نزاهة الرياضة وحيادها، تجنب استخدام الرياضة كأداة للترويج للأجندات السياسية، تجنب النزاعات والتوترات السياسية والاجتماعية، تعزيز التسامح والتقارب بين الشعوب والثقافات، وحماية الرياضيين وإبعادهم عن المؤثرات السياسية وتمكينهم من التركيز على الأداء الرياضي.
ويجادل البعض بأن فصل الرياضة عن السياسة هو أمر غير ممكن عملياً، وأن هذا الفصل بذاته هو تحجيم لحرية التعبير، وهو تماماً ما عبَّر عنه أبو تريكة بقوله: «ما فيش تعليمات، في حرية». ويذهب البعض إلى تشبيه «مبدأ الفصل» بمبدأ «الموضوعية الإعلامية» التي يطالب بها الجميع، وهي – حسب زعمهم- «سراب لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع».
وشخصياً، لا يوجد لدي أدنى شك بأن الموضوعية الإعلامية ليست سراباً، ولكنها قيم وأخلاق يتحمل الإعلام النزيه مسؤولية ترسيخها بكل الطرق، رغم ما في ذلك من صعوبة ومعوقات. فالمبادئ والقيم أياً كانت، لا يتم التخلي عنها والتقليل منها بسبب صعوبة تطبيقها، أو بسبب مخالفة البعض لها.
من ناحية أخرى، أتساءل ماذا ستكون النتيجة لو أننا فتحنا الأبواب للخلط بين السياسة والرياضة، واعتبرناها حرية تعبير؟.
النتيجة حتماً هي أن تتحول البرامج الرياضية إلى «اتجاه معاكس»، يتم فيه تبادل الاتهامات والشتائم والترويج للأيدولوجيات السياسية والدينية والطائفية والثقافية. وستمتلئ مدرجات الملاعب بأعلام وهتافات متضادة ومتنافرة، وتكون نهايتها شبيهة بكارثة «استاد بور سعيد» المأساوية عام 2012م.
خلاصة القول هو ضرورة العمل بكل الوسائل على ترسيخ مبدأ الفصل بين الرياضة والأيدولوجيا والسياسة، والإيمان بأن التجاوزات لا محالة ستحدث.. وعند حدوثها ينبغي علينا عدم تبريرها والتماس الأعذار لها، بل التعامل معها باعتبارها تجاوزات مرفوضة.