قال الإمام الشافعي رحمه الله:
أحب الصالحين ولست منهم وأرجو أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة
هذه الأبيات رغم جمالها وروعة معانيها إلا أنها أصبحت تتداول على تويتر بكثرة للإشارة إلى الأشخاص الذين لا تتطابق أقوالهم مع أفعالهم، فيأمرون الناس بالمعروف والأخلاق مثلاً وهم أبعد ما يكونون عنها، وعندما يسألهم سآئل لماذا لا تطبقون ذلك على أنفسكم، يأتي ردهم جاهزاً وسريعاً: “نحب الصالحين ولسنا منهم”، حتى أن هناك هاشتاق على تويتر باسم #أحب_الصالحين_ ولست_منهم للتهكم بمن يفعل ذلك.
والواقع المؤسف أن نسخة السعودية من تويتر تحفل كثيراً بهذا النوع من المغردين لدرجة تشعر معها أنك في مدينة أفلاطون الفاضلة التي تفيض بالقيم والمبادئ وذلك من كثرة المثاليات التي يتم ترديدها ومطالبة المجتمع بها من قبل الكثيرين، الذين ما إن تغوص في أعماق تعليقاتهم وأفعالهم فإنك تجدها تتناقض شكلاً ومضموناً مع ما يقولون.
الكاتب عبدالله بن بخيت تحدث في مقال له عن التناقض وغياب المنطق في هذه العبارة متسائلاً “ما الذي يمكن أن يفهمه المرء من كلمة كهذه؟ ماذا لو قلنا أحب الشرفاء ولست منهم، أو أحب المستقيمين ولست منهم، أو أحب الوطنيين ولست منهم؟”
هذا التناقض في التصرفات يمكن النظر إليه أيضاً من زاوية أخرى مختلفة تماماً لا علاقة لها بالقيم والأخلاق، حيث لفت نظري مدى حب الناس لدينا بجميع أعمارهم للرياضة وبشكل خاص كرة القدم، يمكن ملاحظته بوضوح في إقبالهم على حضور المباريات وتشجيع الأندية المختلفة سواء المحلية منها والأوروبية، كما يمكن ملاحظته في أعداد متابعي لاعبي الكرة ومقدمي البرامج الرياضية على تويتر والذي يصل إلى مئات الآلاف أو يزيد. والسؤال هنا هو كيف ولماذا يحب الشخص الرياضة لهذا الحد ولكنه لا يمارسها؟ كيف ولماذا تكون للرياضة كل هذه الشعبية الجارفة لدينا، بينما تصنفنا الدراسات على أننا من أكثر البلدان معاناة من البدانة التي تصل إلى ٧٠٪ عند الذكور و ٧٥٪ عند الإناث. أما السكر فقد احتلت السعودية المرتبة الأولى عالمياً في عدد المصابين به وذلك وفقاً لمجلة “الإيكونومست” البريطانية، أما مجلة “ذا لانسيت” الطبية فقد صنفتنا بأننا ثالث أكثر الشعوب خمولاً بعد مالطا وسوازيلاند.
هل هي مجرد مفارقة عادية أن نكون أكثر الشعوب حديثاً عن القيم وفي نفس الوقت من أكثرها معاناة من نقصها، وأن نكون أيضا من أكثر الشعوب حباً للرياضة وأقلها ممارسة لها؟ هل هناك حلقة ربط مفقودة يؤدي غيابها لهذه الفجوة الكبيرة بين ما نحب وما نفعل، وما هي أسبابها وطرق علاجها؟
أسئلة هامة تستحق البحث والإجابة.
أحب “الرياضيين” ولست منهم!
Categories: المدينة
Leave a Comment
Related Post
- متحف غزة.. الخروج من نفق الفرص الضائعة
وصفُ القضيَّة الفلسطينيَّة بأنَّها «قضيَّة الفرص الضَّائعة»…Read More
- كُتُبنا.. أكبادنا تمشي على الأرض
لا أحدَ يدرك غلاء الأبناء أكثر من…Read More
- هل سيحصل ترمب على «نوبل للسلام»؟
أيام قليلة تفصلنا عن موعد الإعلان عن…Read More