X

إعلامنا.. والاحتراق الوظيفي

توقفتُ باهتمام عند مقال نشره مؤخراً معهد Poynter للصحافة، عنوانه: «كارثة الاحتراق الوظيفي لدى الصحفيين المحليين»، يتحدث عن نتائج دراسة أجرتها كلية الإعلام بجامعة شمال كارولينا الأمريكية.

وبصراحة مؤلمة، فإن اهتمامي بما تضمّنه المقال، أو بشكلٍ أدق ما تضمّنته الدراسة، هو بسبب انطباعي كمتخصص بأن واقعنا الإعلامي في المملكة يعاني فيه كثير من الإعلاميين بصمت من مشكلة الاحتراق الوظيفي، دون وجود دراسات علمية كافية مماثلة، أو اهتمام كافٍ وصادق بالأمر من قبل المؤسسات المختلفة ذات العلاقة، ومنها هيئة الصحفيين، والجمعيات الأهلية المتخصصة. علما بأني وجدت أثناء بحثي في الموضوع؛ دراسة سعودية واحدة فقط بعنوان: «الإعلام والاحتراق النفسي: دراسة عن مستوى الضغوط المهنية في المؤسسات الإعلامية السعودية»، وهي دراسة هامة لزميل قدير هو دكتور علي شويل القرني، إلا أنها نشرت عام 2003، أي قبل 20 سنة، تغيَّر خلالها الإعلام دولياً ومحلياً بشكل جذري، وسيكون من الرائع تحديث تلك الدراسة ونشرها.

ولمن لا يعرف، فإن المقصود بالاحتراق الوظيفي، هو حالة من الإجهاد النفسي والجسدي التي تصيب الموظف؛ نتيجة تعرضه لفترة طويلة للتوتر وضغوط العمل، ومن أعراضه فقدان الحافز وتراجع الإنتاجية، الانفعال والعصبية، التشاؤم والاستياء، الإرهاق الجسدي والذهني، وقد يصل الأمر للاكتئاب ومغادرة الوظيفة.

ومما توصلت له دراسة جامعة شمال كارولينا التي شملت 500 صحفي، هو أن «أولئك الصحفيين الذين يمثلون القوة الدافعة لصناعة الأخبار المحلية الأمريكية، يعانون من الاحتراق الوظيفي.. ليس فقط بعضهم، بل أغلبهم، وأنهم يفكرون في مغادرة وظائفهم بنسب عالية». الدراسة تمت عام 2023 بعد أكثر من عقد من معاناة الصناعة من التغيرات التكنولوجية، وانخفاض الإيرادات، وتسريح الموظفين.

تلتها ثلاث سنوات أخرى صعبة بعد جائحة كورونا.

ومما فاقم المشكلة هو تعامل المؤسسات الإعلامية مع «الاحتراق الوظيفي» على أنه مسألة فردية تتعلق بالموظف، بدلاً من مواجهة حقيقة كونه مشكلة صناعة، تتطلب تدخل جاد وشامل. اللافت هو أن معظم الصحفيين الذين شملتهم الدراسة؛ ذكروا أن الأمر لا يتعلق بالمال ولا بعدد ساعات العمل الطويلة، بل بدعم الإدارة، وتمكينهم من أداء العمل الذي يحبونه.

صناعة الإعلام في المملكة مرت بنفس تلك الظروف الصعبة التي مر بها الإعلام الأمريكي، ومن السهل جداً أن نتظاهر بعدم وجود مشكلة «احتراق وظيفي»، تماماً مثلما تظاهرنا سابقاً وأصررنا بأن صحافتنا المطبوعة بخير، وبأن الإعلام الرقمي هو مجرد فقاعة، أو أن نقول إن الاحتراق مسألة فردية وشخصية تخص الموظف.والحقيقة هي أننا بحاجة لاهتمام بحثي وعملي بظروف عمل الصحفيين وأحوالهم النفسية، وطبيعة الصعوبات التي تواجههم، ولنتذكر دوماً أن هؤلاء الصحفيين هم قلب وروح إعلامنا. وحتى لا تكون تلك الجهود والدراسات استنساخاً من دولٍ أخرى، فإن من المهم أن تراعي تفاصيل واقعنا الإعلامي، وخصوصية بعض مشاكله المدمرة للإبداع والمعنويات، كنقص الأمان الوظيفي والتدريب، وتغول المحسوبية، والفكر التقليدي، بالإضافة للشللية التي وصفها لي أحد الإعلاميين بأنها «جائحة بالغة القوة والتأثير.. أدواتها الشيطنة والإقصاء والاغتيال المعنوي لمن لا يدور في فلكها.. وتصدير وتلميع المنتمين للشلة».. وللحديث بقية.

 

Categories: المدينة
سعود كاتب:
Related Post