قم بمشاركة المقالة علي:
الكل في زمن الانفتاح التكنلوجي يريد أن يصبح «إعلامي»، ولكن الواقع هو أن قليلين هم من يملكون الحد الأدنى من المؤهلات والمهارات اللازمة لهذه المهنة، بل أن بعضهم لا يستطيع حتى أن يقدم لك تعريفاً صحيحاً لكلمة صحافة وتحديداً لعناصرها الأساسية. هذه الحقيقة لا تعني قطعاً أني ضد هذا التغيير الرائع الذي فرضته ثورة الاتصالات وأتاح الفرصة لأي شخص لأن يمارس «صحافة المواطن» ويقوم بنشر المعلومات والأخبار عبر وسائل الإعلام الجديد المختلفة. أنا فقط ضد الابتذال الحاصل لكلمة «إعلامي» واستخدامها بكثافة من قبل أشخاص لا يملكون من المهارات سوى القدرة على الإثارة وجمع أكبر عدد من المتابعين والـ «لايكات». كما أني لست مع فقدان الصحيفة والصحفي المحترف لهويتهم وتقمصهم لشخصية صفحات الانترنت أو مغرديها.
لا شك أن الصحفي في زمن الإعلام الجديد لم يعد كما كان سابقاً حارساً للبوابة يقرر ما الذي ينبغي أو لا ينبغي للناس معرفته، فالمعلومات أصبحت متاحة لهم في كل وقت ومكان، ومهمة الصحفي الآن هي تدقيق المعلومة والقيام بمساعدتهم على فهمها والاستفادة منها. بمعنى آخر، على الصحافة اليوم تزويد الناس بالأدوات التي تساعدهم على الوصول للمعلومة الصحيحة في بحر الإشاعات والاختلاقات والدعايات التي تملأ الفضاء المعلوماتي، وليس المساهمة في نشر وزيادة ذلك النوع من المعلومات المغلوطة.
إن من المهم جداً ألا تنساق الصحف لضغوط المنافسة الشديدة مع الانترنت لدرجة تفقد معها رزانتها ومصداقيتها، حيث إن هذه الرزانة والمصداقية هي أثمن ما تبقى في حوزتهم من أسلحة تمكنهم من مواجهة طوفان الإعلام الجديد. لنأخذ مثلا صحيفة نيويورك تايمز والتي كانت من أوائل الصحف التي ولجت عالم الصحافة الالكترونية إدراكاً منها أنها تمثل المستقبل الحتمي بالنسبة لها. هذا الادراك دفع الصحيفة للاستثمار بقوة في تطوير موقع إلكتروني متكامل، بمحتوى أصلي فريد original content لا يمكن العثور على مثله في موقع آخر، وفي نفس الوقت استمرت النسخة الورقية للصحيفة في الحفاظ على رزانتها ومصداقيتها ومهنيتها العالية، وحصدت بالتالي نتائج ذلك أكثر من مليون مشترك في نسختها الإلكترونية وحدها بقيمة اشتراك سنوية تقارب 240 مليون دولار.
خلاصة القول إن ضغوط المنافسة لم تدفع صحيفة النيويورك تايمز الى تحويل موقعها الالكتروني الى ما يشبه المنتديات التي تلتقط أي خبر وصورة ولقطة فيديو رائج وتعيد نشره دون اعتبار لمصداقيته أو صلاحيته للنشر. كما أن تلك الضغوط لم تدفعهم الى تحويل نسختهم الورقية الى ما يشبه موقع انترنت ورقي مكتظ بالصور والرسوم والأخبار التافهة، أو منح أعمدتها وصفحاتها لكتاب وصحفيين بمعايير شبكات تواصل اجتماعي.
