قم بمشاركة المقالة علي:
رغم كل ما حملته قمة كامب ديفيد من تصريحات متفائلة وبيان ختامي مشترك مطمئن، الا أن هناك في الأفق واقعاً جديداً ينبغي لدول الخليج أن تعيه وتعمل بموجبه لتضمن لنفسها مستقبلاً مشرقاً آمناً من التقلبات والمزاجية الدولية المباغتة.
دول الخليج حظيت لعقود عديدة بعلاقة صداقة حميمية مع الولايات المتحدة الأمريكية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لدرجة شعر معها الكثيرون بأنها علاقة أبدية غير قابلة للتغيير والانحسار. واذا كان تجاوز أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد تطلب من دول الخليج -ومن السعودية تحديدا- قدراً كبيراً من المجهودات الدبلوماسية ومهارات الاتصال والعلاقات العامة، فإن المرحلة الراهنة -وهي أكثر صعوبة وحساسية- يتطلب تجاوزها والتعامل معها جهداً أكبر وتغييراً أعمق في الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والمالية والعسكرية، حيث بات واضحاً بأن التطمينات الأمريكية المتواصلة لدول الخليج لم تعد كافية لتبرير التغير في سياساتها في المنطقة والتي أدت الى اهتزاز مكانتها كحليف موثوق به، والى إثارة حفيظة واعتراض الطرف الخليجي بشكل غير مسبوق على بعضها، وبشكل خاص سياسة التقارب مع إيران.
يتحدث البعض عن مرحلة مفصلية تعيشها منطقة الشرق الأوسط سوف يتم بموجبها إعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة وإعادة هيكلة التحالفات الحالية بها، وأحد هؤلاء الكاتب الأمريكي «ستيفن كينزر» مؤلف كتاب (إعادة تشكيل الشرق الأوسط: الأصدقاء القدامى والحلفاء الجدد) والذي شدد على أهمية تحالف الولايات المتحدة مع إيران وتركيا كبديل لحلفائها الحاليين ومنهم السعودية. وبغض النظر عن واقعية ذلك الطرح وعدمه، فإن هناك ما يكفي من سياسات أمريكية حالية لأخذه على محمل الجد.
من المؤكد أن العلاقات الخليجية الأمريكية هي علاقات هامة للجانبين لا يمكن لأي منهما التخلي عنها بشكل سريع بسهولة، غير أن الحكمة والمستجدات الراهنة تستدعي أن تبدأ دول الخليج بالانطلاق شرقاً وغرباً لتدعيم تحالفات جديدة قوية موازية وذلك في كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية. حتى في مجال التعليم هناك خيارات أخرى عديدة عالية الجودة يمكن إرسال بعض طلابنا المبتعثين اليها والذين يتجاوز عددهم مع أسرهم في الولايات المتحدة أكثر من 120 ألف شخص.
طمأنينة دول الخليج الحقيقية اليوم ليس مصدرها التطمينات الأمريكية، بل هي الثقة في قياداتها الشابة التي تدرك جيداً أين تكمن مصالحها وتفاوض عليها بإصرار وقوة. قيادات سبقها لطاولة المفاوضات توهج صناعتهم الذاتية لتحالف «عاصفة الحزم» غير المسبوق عربياً، وتهافت زعماء دول عظمى إليهم بحثاً عن تحالفات أو تعميقاً للقائم منها.
باختصار، ليس مستغرباً في المرحلة الراهنة أن تكون أفضل السبل لتدعيم العلاقة مع الحليف الأمريكي هي بالابتعاد بعض الشيء عنه.
