قرات مؤخراً خبراً صادماً للغاية نشرته صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، تحت عنوان: (أم تقتل طفلتها الرضيعة بقذفها من نافذة السيارة، وذلك خوفاً من أن تُعطِل الطفلة تقدمها الوظيفي كمدير تنفيذي). وعلق أحد الزملاء الإعلاميين على الخبر في حسابه على «لينكد إن» وهي شبكة تواصل اجتماعي مختصة بالوظائف وفرص العمل، قائلاً: «لقد عبَّرت سابقاً عن خشيتي بأن رصد النجاحات المتوالي قد يعسف بحياة سوية لكثير من الأسر.. أتفهم الدواعي الاقتصادية، ولكن ما لا أفهمه هو ذلك القلق المتزايد لدى موظفات –وموظفين- بربط المكانة الاجتماعية بالمقام المهني».
أدرك جيداً بأن ما فعلته تلك الأم هو جنون حقيقي يندر حدوثه، ولكني في نفس الوقت أدرك أيضاً بأن هناك حالات كثيرة يتجاوز فيها طموح بعض الأشخاص بحياتهم المهنية الحد المعقول، ويصل إلى درجة الهوس الذي يدمر صحتهم وحياتهم الأسرية وعلاقاتهم الاجتماعية. هوس ربما لا يصل لدرجة ما فعلته تلك الأم بطفلتها، ولكنه يصل لدرجات أخرى سيئة للغاية تجعل البعض لا يتردد في سبيل نيل المنصب والترقية، عن ممارسة النفاق والتزلف المهين للكرامة مع رؤسائه، وممارسة المكائد والمؤامرات والتحريض ضد زملائه، أو تجعله يهمل أسرته وأبناءه بحجة أنه يقوم ببناء مستقبل مادي أفضل لهم. ويهمل حتى الانتباه لصحته النفسية والبدنية وينتهي به الأمر مصاباً بمختلف الأمراض كارتفاع الضغط والسكر والبدانة، أو التوتر والقلق والاكتئاب.
لا شك بأننا نعيش اليوم ولله الحمد مرحلة تمكين وظيفي هائل للجنسين رجالاً ونساءً، مصحوباً بانفتاح كبير أتاحته شبكات التواصل الاجتماعي، وهي أمور ساهمت في زيادة حدة المنافسة على الفرص المتاحة بشكل مرئي وغير مسبوق. وهذه المرحلة لم يواكبها في اعتقادي ما يكفي من دراسات علمية متخصصة حول التأثيرات الاجتماعية التي يمكن أن تنتج عنها، سواء على المستوى الأسري مثل الطلاق والخلافات العائلية، أو على المستوى الفردي مثل انتشار الأمراض النفسية والبدنية ذات العلاقة. كما أنه لم يواكبها أيضاً أي خطط ملموسة للتوعية وكبح جماح المنافسة والعمل على عدم خروجها عن الحدود المقبولة، وتحولها إلى منافسة سلبية ضارة بدلاً من منافسة إيجابية عادلة ومفيدة.
وبالعودة إلى تعليق الزميل الإعلامي على خبر المرأة التي أنهت حياة طفلتها الرضيعة بسبب خشيتها على حياتها المهنية الشخصية، وتفسيره للمأساة بأنها ناتجة إما عن أسباب اقتصادية، أو بسبب ضغوط ناتجة عن ربط المكانة الاجتماعية بالمقام المهني. واعتقادي الشخصي أن السبب الثاني المتمثل في البحث عن المكانة الاجتماعية هو الأقرب للواقع، حيث سبق لي تناول هذا الأمر في مقال عنوانه (الفرص الوظيفية للفقراء أولاً)، أشرت فيه إلى ظاهرة جديدة تتمثل بتهافت ملحوظ لأبناء الطبقة الميسورة والمترفة على الوظائف، خاصة المرموقة، ليس بحثاً عن المادة بقدر البحث عن مزيد من البروز الاجتماعي. وقلت في المقال بأن المنافسة كثيراً ما تكون في غير صالح «الأقل حظاً»، حيث تشيع كثيراً نماذج «الهبوط المظلي» على تلك الفرص.
أتمنى أن تَقْرَع كافة هذه الأمور الجرس لإجراء المزيد من الدراسات، واتخاذ المزيد من الخطوات والإجراءات الضرورية حيالها.