يتطلَّب العمل في مجالَي الدبلوماسيَّة والإعلام قدرًا كبيرًا من الانضباط والالتزام بمعايير وبروتوكولات محدَّدة سلفًا، وحذرًا ودقَّةً في التَّعامل مع المعلومات والعبارات والرسائل المختلفة، غير أنَّ المبالغة المُفرطة في هذا الأمر، يمكن أنْ تتسبَّب في كبح أو اضمحلال العفويَّة في أداء ممارسي هذين المجالين بشكلٍ يؤثِّر سلبًا على أدائهم ونتائج أعمالهم. فما هو المقصود بالعفويَّة؟ ولماذا تُعتبر أمرًا هامًّا ينبغي دومًا وضعه في الاعتبار ضمن خطط وممارسات أنشطة الدبلوماسيَّة العامَّة والإعلام؟.
يُقصَد بالعفويَّة، التصرُّف أو التَّعبير بشكلٍ طبيعيٍّ وبسيطٍ يخلو من التكلُّف والإفراط في التَّحضير والشكليَّات، ويتَّسم بالتلقائيَّة والصِّدق، بحيث يعبِّر الشَّخص (أو الجهة) عن آرائه ومشاعره بطريقةٍ مباشرةٍ وأصيلةٍ، بعيدةً عن التصنُّع أو اتِّباع بروتوكولات وتوجيهات محدَّدة بصرامة.
وتُعتبر العفويَّة إحدى أبرز السِّمات التي تُميِّز التَّفاعل البُشري، وهي تزيد من جاذبيَّة القائم بها، وتمنحه قدرة أكبر على التَّأثير والإقناع، فالتصرُّفات العفويَّة تمنح للمتلقي إحساسًا بالارتياح والاطمئنان؛ ممَّا يساعد في بناء المصداقيَّة بالرسائل الإعلاميَّة، وتعزيز الشُّعور بالثِّقة في المفاوضات والجهود الدبلوماسيَّة، وفي الممارسين أنفسهم. وفي واقع الأمر فإنَّ القوَّة النَّاعمة كثيرًا ما تتجلَّى وتكسب القلوب والعقول عبر بساطة الأمر، وصدقه، وسلاسته، أكثر من تجلِّيها عبر تعقيدات الأمور وضخامتها.
من ناحية أخرى، فإن الدبلوماسيَّة العامَّة وأنشطة الإعلام؛ كثيراً ما تتطلب الاستجابة السَّريعة للأحداث الطارئة، وتُتيح التصرُّفات والتَّصريحات العفويَّة والتلقائيَّة للممارسِينَ إمكانيَّة التَّعامل السريع أو حتى الآني مع تلك المواقف بمرونة، وإظهار ارتباطهم بالواقع. في حين أنَّ عدم منح الممارس مساحةً كافيةً بهذا الخصوص؛ يمكن أنْ يؤدِّي للارتباك، وفقدان التَّواصل الإيجابيِّ مع المتلقِّين المستهدَفين.
وبعكس الممارسات العفويَّة، فإنَّ الرسائل المخطَّط لها مسبقًا بتكلُّف؛ قد تبدو أحيانًا جامدةً أو رسميَّةً بشكلٍ مُفرط، ويمكن أنْ ينظر إليها المتلقِّي باعتبارها شكلًا من أشكال البروباغاندا؛ ممَّا يُفقدها القدرة على التأثير والإقناع، وذلك مهما بلغت درجة تنميقها وتخطيطها.
إن القوة الأساسية للعفوية، تتجسد في بساطتها وقدرتها على كسر الحواجز النفسية بين المتحدث والمستمع، وفي كونها عاملا رئيساً في بناء الثقة بين الأطراف المختلفة. ففي العمل الدبلوماسي، تساعد العفوية في خلق جو من الراحة بين الدبلوماسيين خلال المفاوضات؛ مما يعزز من فرص النجاح في الوصول إلى اتفاقيات وقواسم مشتركة. وفي الإعلام، تزيد العفوية من فعالية الرسالة الإعلامية؛ وقدرتها على التأثير في الرأي العام بشكل إيجابي.
ختامًا، من الضروري إدراك أنَّه رغم كون العفوية تبدو في ظاهرها تصرفاً طبيعياً غير مخطط له، إلا أنها تتطلب مهارات وقدرات شخصية تشمل الثقة بالنفس والذكاء الاجتماعي والاسترخاء النفسي، والتدريب على ممارسة ضبط النفس والهدوء وسرعة البديهة، وفي كافة الأحوال ينبغي ممارستها بتوازن وحذر، بحيث يكون الممارس واعيًا بالنتائج المحتملة لكل تصرُّف، أو تصريح، أو نشاط، وأنْ يحرص على مراعاة السِّياقات الدَّقيقة للمواقف، وتجنُّب المبالغة والتَّجاوز غير المحسوب للمعايير والبروتوكولات.