X

تآكل سمعة مفهوم «غسيل السمعة»

يمتلئ العالم اليوم بالمفاهيم والمبادئ ذات الطابع السياسي، والتي يفترض أن هدفها هو خير البشرية وصون كرامتها، والتصدي لممارسات الظلم والفساد الدولي الضارة بالمجتمعات. ومن أبرز تلك المفاهيم: الديموقراطية، حقوق الإنسان، حرية التعبير، العدالة الدولية، التسامح والتعايش السلمي، مناهضة التمييز، احترام الثقافات، عدم تسييس الرياضة، وغيرها.

ولا شك لدي بأن جميع هذه المفاهيم الجذابة تحمل في طياتها قدراً هاماً وضرورياً من المضامين الأخلاقية والإنسانية، ولكنها اليوم فقدت كثيراً من مصداقيتها وجاذبيتها بسبب تحويلها بشكل متكرر من قبل بعض الدول (العظمى)؛ إلى أدوات لتحقيق مصالحها البحتة، ورغباتها السياسية غير العادلة، وفرض أيدولوجياتها اليسارية المتطرفة على الآخرين دون اعتبار واحترام لثقافتهم وقيمهم.. وتطبيق كل ذلك بشكل منحاز وانتقائي يفيض بازدواجية المعايير.

والأمثلة على هذا الأمر لا حصر لها، بل إنها تتزايد بشكل مكشوف يخلو من الحشمة، ومنها على سبيل المثال، موقف الغرب الراهن المتناقض بين الحربين المدمرتين في كل من أوكرانيا وغزة، والذي يقاطع ويستبعد بإصرار كل ما هو روسي من رياضة وفن وثقافة، بينما يحتفى في الكونجرس الأمريكي وفي أولمبياد باريس بإسرائيل التي قتل جيشها في غزة أكثر من 39 ألف فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، دون أدنى اعتبار لمبادئ حقوق الإنسان والقيم والمواثيق الدولية.

المفاهيم السابقة ليست هي وحدها التي أصبحت تعاني من تآكل مصداقيتها وجاذبيتها، بل إن مفهوم «غسيل السمعة» بكافة تشعباته طاله أيضاً الأمر ذاته، نتيجةً لتحوله إلى أداة سهلة ورائجة لممارسات التسييس وازدواجية المعايير، حيث أصبح استخدامه أمراً شائعاً يهدف لممارسة الضغوط بشكل انتقائي على دول دون أخرى.

إن إطلاق اتهامات «غسيل السمعة» الرياضي أو الثقافي هو أمر سهل يمكن لأي وسيلة إعلام أو شخص على شبكات التواصل الاجتماعي القيام به. ولكن تكرار استخدامه انتقائياً لأغراض شخصية وسياسية دون تحقق؛ هو أمر يؤدي إلى نتائج عكسية، منها تآكل مصداقية المفهوم نفسه؛ وتحويله بالتالي إلى مفهوم «سيئ سمعة وضعيف التأثير».

وبهذا الصدد فإنه وفقاً لبيانات (التقرير السنوي الشامل للدبلوماسية العامة والإعلام الخارجي لعام 2023) والصادر من وزارة الخارجية الأمريكية، فقد بلغت ميزانية الدبلوماسية العامة الأمريكية (عام 2022) المخصصة لتعزيز صورتها وسمعتها في العالم مبلغ (2.4 بليون دولار)، تضمنت إنفاقاً سنوياً سخياً على العديد من الأنشطة، التي تشمل الثقافة والإعلام بلغات مختلفة في العديد من دول العالم.

وهنا يمكن لأي طرف أن يسأل: هل تعتبر تلك الأنشطة «غسيل سمعة» لتغطية ما يراه البعض أخطاء ارتكبتها الولايات المتحدة في أجزاء عديدة من العالم، أم أنها ممارسات مشروعة، فقط لأن من يقوم بها هو دولة غربية عظمى؟.

لاشك أن الدول جميعها تسعى دوماً لتعزيز وصيانة سمعتها كجزء طبيعي من خططها الروتينية المستمرة، كما أنها تسعى لإصلاح تلك السمعة؛ عندما تتعرض للأذى لأسباب خارجة عن إرادتها ولا ذنب لها فيها.

وهذا يختلف تماماً عن ممارسات غسيل السمعة التي يتعمد فيها طرف محاولة تجميل صورته؛ بهدف إخفاء أو تشتيت الانتباه عن ممارساته الخاطئة أو المخالفة للقانون.

خلاصة القول.. المبادئ والقيم (والمفاهيم) التي لا يصونها ويرعاها أهلها، تذبل وتموت سريعاً لا محالة.

 

Categories: المدينة
سعود كاتب:
Related Post