بمجرَّد دخولي لأيِّ جهة محليَّة، ورؤيتي لموظَّفي الشركات الاستشاريَّة الأجنبيَّة يتجوَّلُون في ممراتها بأشكالهم المألوفة، التي لا تُخطئها العين، فإنِّي أتحسَّس فورًا قلبي، وعقلي، وجيبي، وجميع حواسِّي!.
ربما يكون صحيحًا أنَّ بعض تلك الشركات تمتلك خبرات فنيَّة عالية في مجالات معيَّنة، وقدرة على تقديم عروضهم بأساليب مبهرة، وكلمات مفوَّهة، ولكنَّها بالتأكيد ليست الجهة الأنسب التي يمكن الاعتماد عليها في تقديم الدِّراسات الإستراتيجيَّة المتعلِّقة بالشأن الثقافي، وذلك لأسباب رئيسة أهمها:
1- الحساسيَّة الثقافيَّة: مهما بلغت خبرة وشهرة الشركة الاستشاريَّة الأجنبيَّة، فهي حتمًا لن تمتلك الدِّراية الدَّقيقة بتفاصيل الثقافة السعوديَّة، ولا القدرة على الإحساس العاطفي بأهميتها وقيمتها. فتلك الثقافة ذات الجذور العميقة تمثِّل في مجملها هويَّة المجتمع السعوديِّ بكافَّة عناصرها التي تشمل الانتماء الوجداني، والتاريخ، واللُّغة، والدِّين، والعادات والتَّقاليد والتراث، وغيرها.
صحيح أن تلك الشركات تستعين -عادة- بعناصر وخبرات سعودية، وصحيح -أيضاً- أنه غالباً ما تتم مراجعة تقاريرها وتوصياتها من قبل الجهة المحلية ذات العلاقة، إلا أن كل ذلك تكون نتائجه -غالباً- ذات قدرة تغيير محدودة، لا يمكنها علاج بعض الأخطاء الجوهرية الناتجة عن النظرة السطحية لخبراء الشركة؛ بسبب ضعف فهمهم للثقافة السعودية، أو حتى ارتباطاتهم وانحيازاتهم الثقافية وغير الثقافية.
2- ضياع الذَّاكرة المؤسَّسيَّة: لَفَتَ نظري لهذه النقطة، لقطة فيديو تضمَّنت كلمة بالغة الأهميَّة لصاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، يتحدَّث فيها عن كيف أنَّ وزارة الطَّاقة أوشكت -لأسباب مختلفة- أنْ تفقد ذاكرتها المؤسَّسيَّة، وحذَّر سموُّه بشدَّة من الاعتماد على المكاتب الاستشاريَّة التي يمكن أنْ تغادر بعد انتهاء عقودها، وتأخذ معها كل تلك «الذاكرة» ذات الأهميَّة القُصوَى.
3- النَّظرة التجاريَّة قصيرة المدى: لا يوجد أدنى شك بأنَّ العائد المادي هو الهدف الأهم للشركات الاستشاريَّة، التي مهما بلغ إخلاصها وحرصها، فإنَّها ستفتقد للحافز طويل المدى، الذي تتطلَّبه -عادةً- أهداف وإستراتيجيَّات الثقافة ذات الأبعاد المستدامة والنَّظرة طويلة المدى. وهذا الأمر يمكن أنْ ينعكس على جودة ودقَّة توصيات ومقترحات تلك الشركات السَّاعية لتحقيق أعلى عوائد في أقصر مدَّة ممكنة.
4- تضييق الفرص على الكفاءات السعوديَّة: إحدى الركائز الأساسية لرؤية 2030، هو تمكين وتطوير قدرات ومهارات الشباب السعودي، والاستعانة بشركات استشارية أجنبية في المجال الثقافي الحيوي يتعارض مع هذه الطموحات، حيث يقلل من مشاركة السعوديين في تشكيل الصورة الثقافية للمملكة، أو أنَّه يمنحهم دورًا ثانويًّا. كما أنَّه من ناحية أخرى يحد من فرصة قيام أعداد كافية من المكاتب والشركات الاستشارية السعودية المتخصصة التي يمكن الاعتماد عليها بشكل أساس في المشروعات الكُبْرى والحساسة.
5- المخاوف الخاصَّة بأمن وسريَّة البيانات: وجود الشركات الاستشاريَّة الأجنبيَّة في مجالات وقطاعات محليَّة مختلفة، يجعل بحوزتها قدرًا لا يُستهان به من البيانات والمعلومات التي يمكن أنْ تتفاوت في درجة حساسيَّتها وأهميَّتها. ومجرَّد وجود قواعد بيانات لدى جهات تجاريَّة أجنبيَّة تحتوي كميَّات كبيرة جدًّا من المعلومات عن البلد، يُعتبر أمرًا يستحق الانتباه. ويشمل ذلك البيانات التي يمكن أنْ ينظر إليها البعض أنَّها عاديَّة وغير سريَّة، خاصَّةً في ظلِّ وجود برامج «تحليل البيانات الضَّخمة» المتطوِّرة، وأنظمة الذَّكاء الاصطناعيِّ.
6- التكلفة الماليَّة الباهظة: بدلًا من الاستعانة بشركات استشاريَّة أجنبيَّة باهظة التكلفة، فإنَّ بالإمكان التَّركيز على تطوير القدرات والخبرات المحليَّة، وهذا بكل تأكيد لن يقلِّل من التكاليف فحسبْ، بل ويضمن أيضًا أنَّ الأموال المُنفقة تبقى ضمن الاقتصاد المحلي؛ ممَّا يوفِّر نموذجًا ماليًّا أكثر استدامةً.