في الوقت الذي سهلت فيه العديد من الخدمات الإلكترونية الحكومية حياتنا بشكل مذهل، وفي مقدمتها بالتأكيد «أبشر» و»صحتي» و»اعتماد»، فإن تلك الخدمات عملت في نفس الوقت على رفع سقف توقعاتنا من جهات القطاع الخاص، بدءاً من خدمات توصيل الطعام، وصولاً إلى الخدمات الأكثر حساسية وتعقيداً، مثل خدمات البنوك والمستشفيات الخاصة والاتصالات، وغيرها.. وارتفاع سقف التوقعات هنا لا ينبغي النظر إليه بأي حال على أنه مبالغة غير مبررة من العملاء، بل هو قطعاً حق من حقوقهم تمليه من ناحية توجهات حكومتنا الرشيدة في الارتقاء بجودة حياة المواطن في كافة المجالات، ومن ناحية أخرى كون جودة الخدمة المقدمة من الشركات التجارية مدفوعة القيمة وليست مجانية.
ما دفعني في الواقع للكتابة حول هذا الموضوع، هو ملاحظتي بأن الفجوة بين جودة الخدمات المقدمة من الجهات الحكومية، وتلك المقدمة من جهات القطاع الخاص تزداد اتساعاً بشكل غير مألوف. ففي الوقت الذي تتطور فيه خدمات الجهات الحكومية المقدمة للمواطن، فإن خدمات القطاع الخاص لعملائها تسير في عكس الاتجاه. وعندي الكثير جداً من الأمثلة التي حدثت فقط خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتي سأحاول إيراد أمثلة موجزة منها فيما يلي:
البنك الذي أتعامل معه منذ أكثر من 20 سنة بكل رضا وارتياح، تدهورت خدماته خلال السنتين الماضيتين تزامناً على ما يبدو مع تغيُّر اسمه. وآخر تجاربي غير الإيجابية معه تمثلت في طلبي من فرعهم بطاقة مسبقة الدفع، وبعد التوقيع على الأوراق اللازمة وعدني الموظف بوصول البطاقة خلال أقل من أسبوع. وبعد انتظار 3 أسابيع راجعت البنك وأخبرتهم أن البطاقة لم تصل، فأخبرني الموظف أن السبب هو وجود أوراق إضافية تحتاج توقيع، واعتذر لعدم اتصالهم بي وإشعاري بذلك. وقمت بتوقيع الأوراق وانتظرت مجدداً قرابة أسبوعين. تواصلت بعدها مع البنك للاستفسار، ووصلتني رسالة من الموظف يعتذر فيها مجدداً قائلاً إنه أرسل الأوراق (التي تحمل توقيعي) للجهة المختصة في البنك، ولكنها ضاعت ولا يمكنهم معرفة مصيرها!.
والمعاناة مع المستشفيات الخاصة أمر آخر، ومنها مثلاً أخذت ابنتي (7 سنوات) لطبيب أسنان بمستشفى شهير، حيث أخبرنا أن لديها تسوساً ببعض الأسنان، يستلزم علاجه تخديراً كاملاً وتنويم لمدة يوم، ويتطلب تكلفة قدرها 13000 ريال للطبيب خارج تغطية التأمين. وبعد نصيحة أحد الأصدقاء ذهبنا لطبيب في مستشفى آخر، قام بعلاج أسنانها في أربع جلسات سريعة، بدون تخدير وتنويم، ولا أي تكلفة إضافية!.
تجربتي السيئة الأخيرة قبل أيام، كانت مع شركة بريد «سريع»، وصلهم جواز سفري من إحدى السفارات الأوروبية. فلكون موعد سفري قريباً جداً، تعاونت معي السفارة مشكورة وأصدرت تأشيرة الشنغن خلال يومين، حيث وصلتني رسالة بعدها بأن الجواز أصبح لدى شركة التوصيل. وباءت محاولات التواصل مع تلك الشركة بالفشل: فنظام تتبُّع الشحنات الآلي عبر الواتس غير مفيد، ويقدم معلومات مبهمة لا تقدم أي معلومة مفيدة عن مكان الشحنة وموعد تسليمها. وحسابهم على منصة X يفيض بشكاوى العملاء. ورقم خدمة العملاء لا يرد رغم محاولاتي ليوم كامل الاتصال بهم، وعندما وصلت لهم عن طريق ذهابي لأحد مكاتبهم، قيل لي أنه ليس لديهم معلومات حول الشحنة وموعد تسليمها. وفي اليوم الثالث وصلتني رسالة بأن الشحنة سيتم تسليمها «اليوم». واتصلت بالمندوب وسألته عن ساعة التسليم تقريباً، فأكد لي أن التسليم اليوم، لكنه لا يعلم أي ساعة!! باختصار، وصلني المندوب الساعة 12:30 بعد منتصف الليل، وفي يده عدد كبير من الإرساليات المطلوب منه إيصالها لعملاء آخرين في هذا الوقت المتأخر جداً.
خلاصة القول: إن هناك انحدار ملحوظ شديد في مستويات خدمة العملاء لدى قطاعنا الخاص، يستلزم معرفة أسبابه، لأن نتائجه لا تمتد سلباً على مجرد جودة حياة المواطن والمقيم، بل وأيضاً على النظرة العامة لبيئة الاستثمار والسياحة والعمل وغيرها.