قم بمشاركة المقالة علي:
أتلقَّى بشكل مستمر ومُبهج، دعوات لإلقاء محاضرات وورش عمل حول قضايا الإعلام والدبلوماسيَّة العامَّة والقوَّة النَّاعمة، وذلك من قِبل جهات مختلفة عديدة، منها جهات شبابيَّة.. وما أقصده بشبابيَّة، هو أنَّ القائمين على تأسيسها وإدارتها وتنسيق عمليَّاتها بشكل كامل هم شباب وشابات سعوديون في عمر الزُّهور.
ومن ضمن تلك الجهات -على سبيل المثال-: منصَّة ذا ستيج، لقاء العلاقات العامَّة، نادي العلوم السياسيَّة بجامعة الملك سعود، مجتمع أُسوة، قهوة معرفة، مبادرة «وفد» للتَّواصل الحضاري، جمعيَّة برستين لحماية البيئة، مجتمع التواصل المؤسَّسي، وغيرها.
وبالإضافة لكون هذه الكيانات قائمة على جهود شبابيَّة وفرديَّة تتَّسم بحُسن التَّنظيم وجودة التَّنسيق، وعُمق الموضوعات، فإنَّ اللافت حيالها -أيضًا- هو أعداد الحضور المشجِّع لفعاليَّاتها، وحماسهم، وحرصهم على الاستفادة القصوى، وذلك عبر التفاعل الإيجابي، وطرح الأسئلة والتعليقات المُثرية، خلال وبعد نهاية كل لقاء.
ومن الأمور الأُخْرى التي لفتت نظري، هو أنَّ بعضًا من تلك اللقاءات تُعقد في مقرَّات تجاريَّة ومقاهٍ.. نعم مقاهٍ، ولكنَّها ذات طابع وأجواء ثقافيَّة وعلميَّة تتجلَّى في أسلوب تصميمها، وفي روَّادها المنشغلين على طاولاتهم بنقاشات وأحاديث مهنيَّة، بالإضافة لكون بعضها توجد بها قاعات محاضرات مجهَّزة تحتوي على مُدرَّجات تتَّسع لأعداد كبيرة من الحضور، على غرار قاعات المحاضرات في الجامعات.
ورغم أنَّ هذه القاعات مصمَّمة -كما يبدو لي- لأغراض تجاريَّة تهدف للربح، إلَّا أنَّ مجرَّد وجودها يعني أنَّ هناك طلبًا كافيًا عليها؛ لعقد الفعاليَّات الثقافيَّة والتعليميَّة والمهنيَّة المختلفة، وهو أمر يزرع البهجة والتفاؤل في النفس.
وأذكر أنَّه خلال تواصل أحد المنسِّقين الشَّباب معي بخصوص إحدى المحاضرات، طلبتُ منه إجراء تغيير في موعد اللقاء، فما كان منه إلَّا أنْ اعتذر بلباقة، وأرسل لي صورة جدول حجوزات القاعة المزدحم بالمحاضرات؛ ممَّا اضطرني لقبول الموعد الوحيد المُتاح.
أعيد مجدداً بكل سعادة وفخر، بأن هؤلاء الشباب والشابات هم قدوة حقيقية تستحق الدعم والتشجيع من الجهات ذات العلاقة، وبشكل خاص وزارات الثقافة، والتعليم، والموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ومركز تنمية القطاع غير الربحي، والجامعات، وذلك بشكل يحفزهم ويمكنهم من الاستمرار ومواصلة ما يقومون به، والعمل على تطويره والارتقاء به لمستويات أكبر وأشمل.
ملحوظتي الأُخْرى بهذا الخصوص، هي أنَّ جميع المبادرات الشَّبابيَّة الرَّائعة التي ذكرتها هي في مدينة الرِّياض، وأتمنَّى -حقًّا- رؤية نماذج مماثلة لها في جميع مناطق المملكة الأُخْرى.
ففي جدَّة مثلًا، يخيم هدوء ثقافي طويل غير مألوف، خفتت فيه أصوات شبابها وحماسهم المتمثِّل في إقامة مبادرات مماثلة تعكس شغفهم وقدراتهم وإبداعاتهم المعهودة في مختلف المجالات.
ويحزنني القول بأنَّني في كل زيارة أقوم بها لعروس البحر الأحمر، بتُّ أشعرُ بأنَّني في مدينة يخيِّم عليها سكونٌ ثقافيٌّ، وغيابٌ شبهُ تامٍّ لكافَّة صور الحِراك المعرفي الشبابي، الذي يعكس الصورة الجميلة الحقيقيَّة لثقافة وعلم واهتمامات أبنائنا وبناتنا.
