في اعتقادي أن ندوة «سفراء يتحدثون العربية» التي أقامها النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية، لم تكن مجرد احتفاء جميل بلغة الضاد في يومها العالمي، بل إنها أيضا درس مهم في مفهوم الدبلوماسية الشعبية، وصورة حية للتغيرات الكبيرة التي أحدثها ذلك المفهوم على كيفية ممارسة سفراء الدول لمهام عملهم في الدول المضيفة، ومن ضمن هذه الممارسات تلك المتعلقة باللغة، سواء لغة السفير أو لغة البلد المضيف الذي يمارس مهامه الدبلوماسية فيه.
دعوني في البداية أوضح بأن اللغة ليست مجرد «أداة من أدوات التواصل بين الشعوب المختلفة»، بل هي أيضا مصدر هام من مصادر القوة الناعمة للدول، وهو ما يمكن إدراكه من خلال العدد الضخم للمعاهد والمراكز الحكومية الثقافية حول العالم والتي تحدد هدفها الرئيس بأنه نشر لغة البلد وتعليمها لغير الناطقين بها من شعوب العالم. وقد أورد موقع «أكاديمية الدبلوماسية الثقافية» الأمريكي أسماء أكثر من 30 من تلك المعاهد الدولية، ومنها على سبيل المثال: المعهد الثقافي الفرنسي الذي أنشئ عام 1883 ولديه أكثر من 1040 فرع في حوالى 136 بلدا حول العالم، والمجلس الثقافي البريطاني (100 فرع حول العالم)، ومعهد غوته الألماني (144 فرع)، مركز دانتي أليجيري الإيطالي، معهد كونفوشيوس الصيني، معهد كاميس البرتغالي، معهد ثيريانتس الإسباني… وغيرها.
وأيا كانت الأهداف المختلفة لهذه المراكز، فإن اهتمامها وإنفاقها السخي على نشر وتعليم اللغة واعتبار ذلك هدفها الرئيس، يشير إلى فخر واعتزاز تلك الدول بلغاتها وحرصها على نشرها وتقويتها، وهو أمر لا يتعلق فقط بأسباب ثقافية، بل وأيضا اقتصادية وسياسية وتعليمية وغيرها. وللسفير الصيني تغريدات للتعريف باللغة الصينية ومقارنات بينها وبين اللغة العربية، كما أنه شارك مؤخرا في حفل تخريج طلاب الدبلوم المهني للغة الصينية بجامعة الملك عبدالعزيز.
من ناحية أخرى، شهدت العديد من حسابات السفراء العاملين في المملكة على شبكات التواصل الاجتماعي نشاطا تفاعليا ملحوظا باللغة العربية، انعكس على تزايد أعداد متابعيهم، وعلى مستويات التفاعل مع تغريداتهم، فعلى سبيل المثال حصدت تغريدة ذكية للسفير الياباني تضمنت لقطة له وهو يأكل الكبسة بيده 1700 تعليق إيجابي و12700 إعجاب و4300 إعادة تغريد. هذا النشاط التفاعلي الكبير لحساب السفير على تويتر جعل منه منصة «إعلام خارجي» فاعلة داعمة لسياسات بلاده في شتى المجالات.
وحيث إن تعريف الدبلوماسية الشعبية هو «التواصل مع الشعوب لأجل تحقيق أهداف السياسة الخارجية عبر توظيف القوة الناعمة للبلد»، فإن «اللغة» للدبلوماسي –وفقا لهذا التعريف- هي بمثابة طريق سريع مزدوج: لا غنى عن الأول للوصول إلى الشعوب في البلد المضيف بمخاطبتهم والتفاعل معهم بلغتهم.. ولا غنى عن الثاني (لغة السفير) كمصدر قوة ناعمة ذات جاذبية يُمثِّل نشرها ودعمها دعما لثقافة البلد وسياحتها واقتصادها.. وثقلها السياسي.