قم بمشاركة المقالة علي:
لم يسبق لي أن شاهدت وسائل الإعلام الرئيسية الأمريكية تنحاز بشكل علني ومكشوف لمرشح رئاسي ضد آخر كما حدث في الانتخابات الأخيرة التي استعر فيها العداء لدرجة كان فيها ترمب يوجه الشتائم والانتقادات في كل مناسبة لوسائل الإعلام.. تلك الوسائل التي اعتادت طويلاً أن تكون «الفتى المدلل» بالغ القوة والتأثير والذي يسعى الجميع لكسب وده ورضاه.
انحياز الإعلام لمرشح أكثر من آخر هو في الواقع ليس أمراً جديداً، ولكنه تجاوز هذه المرة كل الحدود لدرجة كشفت معها «عورة» مفاهيم إعلامية مقدسة مثل «المهنية» و»المصداقية» و»الموضوعية»، ناهيك عن إثارتها لكثير من التساؤلات حول درجة التأثير الفعلي لتلك الوسائل ومدى صحة عبارة (من يملك الإعلام يملك الفوز).
اعتاد البعض لدينا أيضاً على تحميل الإعلام أكثر مما يحتمل، فإما أن يجعلوا منه سبب كل بلاء ومشكلة في المجتمع، أو يطلبوا منه وحده إيجاد الحلول وكأنه عصا سحرية قادرة على عمل المعجزات، حيث أصبح الاعلام مشجباً لتعليق الأخطاء التي نعجز عن مواجهتها أو علاجها. والحقيقة أن الإعلام هو مجرد عامل واحد مؤثر من ضمن عوامل عديدة، وهو وحده لا يصنع النجاح ولا يجمل ما ليس جميلاً.
في اعتقادي أن موقف وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية mainstream media خلال الانتخابات ينبغي أن يكون درساً للعالم ونقطة تحول رئيسية في التعامل مع ذلك الإعلام بواقع جديد أكثر فهماً لتلك الوسائل وأكثر دراية بنقاط قوتها وضعفها ودرجة تأثيرها الفعلية، وذلك بشكل لا يغفل وجود ذلك التأثير وأهميته ولا يعطيه حجماً أكبر من حجمه الفعلي. من ناحية أخرى فإن هذا الانحياز الذي مارسه الإعلام الأمريكي في شأن داخلي هام هو كما ذكرت سابقاً دليل على أن نزاهة ذلك الإعلام ومصداقيته أبعد ما تكون عن المثالية التي يراها البعض فيه، ومن ذلك كمثال أن العديد من التحليلات تحدثت عن خداع وتزوير قامت به تلك الوسائل في استطلاعات الرأي الخاصة بها بهدف التأثير في نتائج الانتخابات. كما أشارت تحليلات أخرى الى أن انحياز الإعلام الصارخ مع كلنتون هو سبب خسارتها لأن الناس ببساطة لم تعد تثق بالإعلام التقليدي الذي كانت كل توقعاته تصب في فوز كلنتون بنتيجة كاسحة، في حين كانت استطلاعات الرأي الخاصة بالإعلام الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي تؤكد من البداية على فوز ترمب وهو ما تحقق فعلاً.
وبطبيعة الحال فإن انحياز الإعلام الأمريكي يتجلى بشكل أكبر في تغطياته الخارجية، ومن ذلك بالتأكيد تغطياته لكثير من قضايانا التي تتسم بالانحياز والافتقاد للنزاهة والمصداقية.
