نسمع كثيراً عن التوترات أو الصراعات التي تحدث بين الأطياف المتنوعة للمجتمعات في مختلف دول العالم، ومن أكثرها تردداً على مسامعنا تلك الناتجة عن اختلاف الأديان أو المذاهب أو اللون أو التوجهات الحزبية أو الأيدلوجيات الفكرية. غير أننا قليلاً ما نسمع أو نهتم بتوترات من نوع آخر تتواجد في معظم المجتمعات حول العالم بدرجات مختلفة من الشدة، ألا وهي التوترات الطبقية . Class Tensions هذا المصطلح ليس جديداً، بل أنه ظهر في القرن التاسع عشر مشيراً ومحللاً للصراعات التي تحدث بين “البرجوازية” و “البروليتاريا” أو بعبارة أخرى بين “من يملك” و “من لا يملك”، وفي عصرنا هذا يشار إليها كثيراً في وسائل الإعلام وغيرها بالصراعات Conflicts بين الأغنياء والفقراء، وقد تزداد حدتها لدرجة تسمى فيها بـ”الحروب الطبقية” .Class Warfare هذه التوترات حذر منها كثير من الكتاب ومنهم الكاتب الأمريكي المعروف David Brin الذي نشر مقالاً عام ٢٠١١ بعنوان “حروب الطبقيات ودروس التاريخ” مستشهداً فيه بالحرب الطبقية الفرنسية عام ١٧٩٣م، ومُنبهاً من اتساع الفجوة الحاصل حالياً بين الأغنياء والفقراء في أمريكا ومن تركز الثروات في أيدي عدد قليل من الأشخاص لدرجة أن ما تملكه ٤٠٠ عائلة تجارية أمريكية أصبح يفوق إجمالي ما يملكه ٥٠٪ من السكان. هذه التحذيرات أكدتها دراسة لـ Pew Research Center عام ٢٠١٢، أظهرت نتائجها أن ثلثي الأمريكيين يعتقدون بوجود صراع متزايد بين الأغنياء والفقراء في أمريكا، كما أظهرت الدراسة أيضا أن ٤٣٪ يعتقدون أن الأغنياء حصلوا على ثرواتهم بالعمل الشاق والطموح والتعليم، في حين يعتقد ٤٦٪ أن الأغنياء أصبحوا كذلك عبر العلاقات أو بالميراث. أحد كبار الباحثين في مركز Pew علق على نتيجة الدراسة قائلاً أنها تحمل مضامين سياسية بالغة الخطورة، كما أن الحملات الانتخابية لعام ٢٠١٢ ركزت كثيراً على هذه القضية، حيث صرح الرئيس أوباما بأن “الحروب الطبقية” ستكون الاهتمام الأول له، واعداً بإعادة بناء قيم الطبقة الوسطى في المجتمع الأمريكي.
وبنفس قدر خطورة تآكل الطبقة الوسطى واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فإن تصوير التجار على أنهم جميعاً جشعون ومصاصو دماء أو الايحاء بذلك للناس لا يقل خطورة، وهو بمثابة الزيت الذي يتم صبه لإشعال التوترات الطبقية في المجتمعات، ويكفي على سبيل المثال القول أن شركة مثل مايكروسوفت توظف ١٠٠ ألف أمريكي، وجنرال موتورز توظف حوالي ٧٥ ألف موظف يساهمون في بناء الشركة وازدهارها وتساهم الشركة في “فتح بيوتهم” ، وخروج الشركات والاستثمارات من البلد لأي سبب سوف يدفع ثمنه أولاً المواطن الفقير واقتصاد البلد عموماً .
خلاصة القول، إن الصراعات الطبقية والتوتر بين الأغنياء والفقراء هو “القاتل الصامت” للمجتمعات، وعلاجه يكون بردم الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتدعيم الطبقة الوسطى وتفعيل الأنظمة التي تمنع الغش والاستغلال والاحتكارالتجاري. وبنفس الأهمية والأولوية فإنه يجب النظر للتجار على أنهم دعامة أساسية من دعائم الاقتصاد وأن من أبسط حقوقهم تحقيق أرباح معقولة تضمن استمرارية أعمالهم ودفع رواتب موظفيهم. كما يجب ملاحظة أن التزلف للطبقة الشعبية من خلال شيطنة التجار، أو تقمص أدوار البطولة بمحاربتهم والقسوة عليهم إعلامياً أو إجرائياً هي ممارسة ضارة شائعة وتزداد شيوعاً، بشكل يستلزم ملاحظتها والتأكد من عدم إضرارها بالمجتمع.
دعم الفقراء دون شيطنة الأغنياء!
Categories: المدينة
Leave a Comment
Related Post
- متحف غزة.. الخروج من نفق الفرص الضائعة
وصفُ القضيَّة الفلسطينيَّة بأنَّها «قضيَّة الفرص الضَّائعة»…Read More
- كُتُبنا.. أكبادنا تمشي على الأرض
لا أحدَ يدرك غلاء الأبناء أكثر من…Read More
- هل سيحصل ترمب على «نوبل للسلام»؟
أيام قليلة تفصلنا عن موعد الإعلان عن…Read More