قم بمشاركة المقالة علي:
شبابنا محرومون.. شبابنا يعتصرهم الملل.. شبابنا يفتقدون للرعاية والاهتمام وليس لديهم أي وسائل تسلية وترفيه .
هذه العبارات سمعناها مراراً وتكراراً في وسائل إعلامنا ومجالسنا، ولا أعتقد أن هناك أباً أو أماً لم يسمعوها من أبنائهم وذلك بصيغة “طفشانين.. طفشانين.. طفشانين”، حتى أصبحت هذه الكلمة من أكثر الكلمات التي تشعرهم بتأنيب الضمير وبتقصيرهم في توفير وسائل الترفيه لفلذات أكبادهم.
تلك العبارات سمعناها ونسمعها أيضاً باعتبارها سبباً رئيسا من أسباب انتشار ظواهر التفحيط وتخريب المنشآت العامة والمعاكسات، بل وحتى كسبب من أسباب انتشار المخدرات والانحراف بين الشباب. وأثناء نقاش قرار إغلاق محلات المعسل كانت إحدى حجج المعترضين عليه هي “دعوهم يعسِّلوا أمام أعيننا بدلاً من أن يدفعهم الملل والفراغ لممارسة عادات أسوأ دون علمنا”. وحتى ونحن نناقش هذه الأيام إيجابيات وسلبيات إغلاق المحلات عند الساعة التاسعة مساء، فإن إحدى حجج المعترضين على القرار هي أن فيه تضييقاً على الشباب الذين يعانون أصلاً من الملل وقلة وسائل الترفيه.
هل هذه المعاناة لشبابنا مع الملل حقيقية أم أنها مجرد مبالغة وتهويل؟ هل أن ما يعاني منه شبابنا حقاً هو الملل وقلة الترفيه بكل ما يحمله ذلك من مخاطر، أم أن الخطر الحقيقي هو أننا أفسدناهم بتلك الدعاوى وبالدلال الزائد حتى لم يعد يرضيهم أي شيء؟
لكي نجيب على هذه الأسئلة بعقلانية ودون عاطفة فإننا بحاجة للإجابة أولاً على أسئلة من قبيل: ما هي وسائل الترفيه المشروعة التي تنقصهم؟ وكيف يقضي نظراؤهم من الشباب في أكثر الدول تقدماً ورفاهاً أوقاتهم؟
أثناء بحثي عن إجابات على هذه الأسئلة وقعت في يدي عدة دراسات غربية حديثة، منها دراسة لتحديد الأنشطة المختلفة التي يقضي بها الطلاب الأمريكيون ٦ ساعات أو أكثر من وقتهم أسبوعياً. الدراسة جاءت رداً على تقارير إعلامية عديدة ومتتالية تنتقد معاناة طلابهم -ليس من قلة وسائل الترفيه- ولكن من إرهاقهم بالواجبات المدرسية. نتائج الدراسة فندت تلك الانتقادات موضحةً أنها مبالغ بها، حيث أوضحت أن الطلاب الأمريكيين يمارسون أنشطتهم المختلفة كما يلي: ٦٦٪ مع الأصدقاء، ٥٣٪ رياضة، ٤١٪ العمل للحصول على المال، ٣٨٪ مذاكرة، ٢٤٪ مشاهدة التلفزيون وتصفح الإنترنت.
وخلصت دراسة أخرى عنوانها “كيف يقضي الشباب الجامعي الأمريكي يومهم” للتالي: ٨.٤ ساعة يومياً نوم، ٣.٦ ساعة رياضة وترفيه، ٣ ساعات عمل بأجر، ٣.٤ ساعة مذاكرة.
لاحظوا الوقت الذي يقضيه الشباب الأمريكي في الرياضة والوقت الذي يقضونه في العمل بمقابل، وكذلك الوقت الذي يقضونه في المذاكرة والذي يزيد عن ٣ ساعات يومياً. الطالب الأمريكي غالبا لا يمتلك سيارة، وهو يوفر من مصروفه لشراء لعبة فيديو أو للذهاب نهاية الأسبوع لمطعم أو سينما، وهو يعمل ليس لأنه فقير فحتى أولاد الأغنياء يعملون للحصول على مصاريفهم وسداد تكاليف جامعاتهم.
باختصار، لو استثنينا السينما والمسارح فإن الشباب الأمريكي ليس لديه وسائل ترفيه أكثر من تلك التي لدى نظيره السعودي، بل إن بعض ما لدى كثير من السعوديين يحلم بنيله الأمريكي، مثل السيارة والمصاريف ومجانية التعليم، ناهيك عن حجم التكاليف والواجبات المدرسية التي لا تصل لنصف تلك المطلوبة من الأمريكي.
إن ما ينقص شبابنا إذاً هو الجدية والمثابرة وعادات الرياضة والقراءة والعمل وعدم الاتكالية، ومسؤوليتنا هي التوقف عن ترديد مزاعم أنهم محرومون ويعتصرهم الملل والفراغ، فهذا أولاً جحود بالنعمة ومغالطة لواقع الأجدى إصلاحه لأنه أحد الأسباب الحقيقية لاتكالية كثير منهم وممارساتهم السلبية التي لا علاقة للملل وقلة الترفيه ووسائله بها، بل ربما العكس تماماً.
