يشهدُ العالمُ -اليومَ- صراعًا عنيفًا بين القوَّة الصلبة، والقوَّة النَّاعمة، تشير ملامحه إلى أنَّ الكفَّة أصبحت تميلُ بشكلٍ غير مسبوقٍ لصالح قوَّة الإكراه الصلبة، التي تعتمد على تحقيق الأهداف، والمصالح الخاصَّة باستخدام القوَّة العسكريَّة، ولغة الوعيد والتهديد، وممارسة الضغوط الاقتصاديَّة، والحروب التجاريَّة، وذلك أكثر من اعتمادها على لُغة الحوار والإقناع، والقدرة على التأثير بالجاذبيَّة، والتركيز على عناصر التقارب، والتسامح، والمصالح المشتركة.
هذا الأمر في الواقع ليس جديدًا، وقد كتبتُ عنه قبل أكثر من عام، قائلًا: إنَّ الدبلوماسيَّة العامَّة، والقوَّة النَّاعمة الأمريكيَّة -وبالتَّالي العالميَّة- تمرُّ بمرحلةِ انتكاسة شديدة؛ نتيجةً للحرب في أوكرانيا، والممارسات اللاإنسانيَّة في غزَّة، وهي مرحلةٌ تمثِّل الضَّربة الأقوَى لمصداقيَّة أنشطة الدبلوماسيَّة العامَّة وجاذبيتها، وقدرتها على التأثير.. حيث لم يقتصر الأمر على حروب الإعلام، والبروباغاندا التي استخدمتها أطراف الصِّراع، بل تمَّ إقحام الرِّياضة، والفنِّ، والثقافة، والتعليم، في المواجهة، وذلك بشكلٍ يتعارض مع كثيرٍ من القيم والمبادئ التي كان الغرب يُردِّدها لعقودٍ، ومن ضمنها العدالة الدوليَّة، وحقوق الإنسان، وتجنُّب خلط الرِّياضة بالسياسة، وعالميَّة الفنون وإنسانيَّتها، واستقلاليَّة الصحافة وحريَّة التَّعبير، وتعايش وتسامح الثَّقافات.
الجديرُ بالذكر أنَّ الولايات المتحدة شهدت عام 2021 تدهورًا ملحوظًا في ترتيب قوَّتها النَّاعمة على مؤشر «براند فاينانس»، حيث تراجعت إلى المرتبة السَّادسة، بعد أنْ كانت تحتلُّ المركزَ الأوَّل في السنواتِ السَّابقة، وأرجع البعضُ ذلك التراجعَ إلى السياسات والمواقف التي اتَّخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خلال فترة رئاسته الأُولَى، وأثَّرت بشكلٍ سلبيٍّ على صورة الولايات المتَّحدة على الساحة الدوليَّة.
وفي الوقت الذي لا زالت فيه تلك الظروف قائمةً ومشتعلةً حتَّى اليوم، جاءت سياسات وتصريحات الرئيس ترمب الأخيرة؛ لتزيدها اشتعالًا: فمِن قرارات الفرض غير المرن للرُّسوم الجمركيَّة، والانسحاب -أو التهديد بالانسحاب- من بعض الاتفاقات الدوليَّة، إلى التصريحات غير الدبلوماسيَّة تجاه أهم الحلفاء، والتصريحات الأُخْرى المثيرة للجدل، كتلك المتعلِّقة بضم كندا، وتفريغ غزَّة، وشراء غرينلاند، واستعادة قناة بنما.. وأخيرًا وليسَ آخرًا، العلاقة المتوتِّرة مع وسائل الإعلام، والتضييق عليها، واتِّهامها المستمر بالكذب.
وبشكل عام، يمكنني القول: إن تلك السياسات والتصريحات ستكون لها مجددا تداعيات سلبية بالغة على القوة الناعمة الأمريكية، وسوف تؤدي لإضعاف صورة وتأثير الولايات المتحدة عالميا، وجعلها تظهر كدولة أقل قدرة على بناء علاقات دبلوماسية قوية ومستدامة، بالإضافة لاهتزاز مصداقيتها والثقة بها كوسيط عادل في النزاعات الدولية، وكداعم لمبادئ السيادة والاحترام المتبادل بين الدول.
ولكنْ.. هل يعني كلُّ ذلك أنَّ هذا التدهور في القوَّة النَّاعمة الأمريكيَّة هو تدهور دائم، أم أنَّه مؤقَّت وقابل للإصلاح؟.
لا شكَّ أنَّ الولايات المتحدة تمتلكُ مخزونًا هائلًا من مصادر القوَّة النَّاعمة وغير النَّاعمة، يجعلها قادرةً على إعادة بناء صورتها في المستقبل، وذلك مثلما حدث عندما عادت سريعًا بعد عام 2021؛ لتحتلَّ مجددًا المركز الأوَّل في مؤشر «براند فاينانس» للأعوام التَّالية.
ولكي يتحقَّق ذلك، سيكون من المهمِّ لها أنْ تدرك بأنَّ استعادتها لتلك القوَّة يتطلَّب توازنًا جديًّا بين حقِّها في الحفاظ على مصالحها الوطنيَّة من ناحية، وإظهار التزامها من ناحيةٍ أُخْرى بالقيم والمبادئ التي تُروِّج لها على الساحة الدوليَّة، وإعادة بناء جسور الثِّقة والتَّعاون مع دول العالم، ومع حلفائها بشكلٍ خاصٍّ.