يتَّضح لي في كلِّ مرَّة يدورُ فيها الحديثُ حول إعلامنا الخارجيِّ، بأنَّ الخلطَ الخاطئَ لا يزال مستمرًّا بين هذا الإعلام، وبين مفهوم آخرَ هام، وهو «الدبلوماسيَّة الإعلاميَّة»، حيث يردِّد البعضُ باستمرار -في كلِّ نقاشٍ أو أزمةٍ إعلاميَّة- حلولًا واقتراحاتٍ تتضمَّن نقل مهام الإعلام الخارجيِّ إلى وزارة الخارجيَّة، أو إنشاء هيئة للإعلام الخارجيِّ.
وواقع الأمر هو أنَّ هذا الطرحَ الخاطئَ يعودُ لأسبابٍ عديدة منها: عدمُ معرفة الفرق بين المفهومَين والعلاقة بينهما من ناحية، والإصرار من ناحيةٍ أُخْرى على البقاء في دائرةٍ وقناعةٍ ضيِّقةٍ محصورةٍ بتعريفٍ واحدٍ للإعلام الخارجيِّ، يعود لأكثر من ربع قرن مضى، وينصُّ على تحميل جهةٍ واحدةٍ -فقط- كامل مسؤوليَّة تعزيز صورة المملكة، ودرء انتشار أيِّ أفكار سلبيَّة عنها، والردِّ على أيِّ انتقاداتٍ وحملاتٍ خارجيَّة وتفنيدها. وفي هذا -بطبيعة الحال- مبالغةٌ ضخمةٌ، وافتراضٌ غيرُ سليمٍ بأنَّ لدى هذه الجهة عصا سحريَّة قادرة على تحقيق كلِّ ذلك.. بينما الحقيقة هي أنَّ الإعلامَ الخارجيَّ عبارة عن منظومةٍ متكاملةٍ تشمل أطرافًا عديدةً، ويمكن تلخيصها بتعريف ذلك الإعلام بأنَّه: «كافَّة الأنشطة والممارسات المنسَّقة السَّاعية إلى إدارة البيئة الدوليَّة، باستخدام وسائل الإعلام المختلفة مثل: الصحف، والإذاعة والتلفزيون. والوسائل الرقميَّة مثل: شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة لأنشطة الدَّعم advocacy activities، والمساندة الفاعلة من كافَّة الجهات ذات العلاقة، (حكوميَّة وغير حكوميَّة، داخليَّة وخارجيَّة)، والتوظيف الذكي لمصادر القوَّة النَّاعمة، وذلك بغرض التواصل مع الشعوب الخارجيَّة؛ لتعزيز صورة البلد، وتحقيق مصالحه القوميَّة».
الإعلام الخارجي إذًا وفق هذا التعريف هو منظومة عمل متكاملة، ومتشابكة، ويكمل كلٌّ منها الآخر، وهذا بالتَّالي يستدعي ضرورة فهم العلاقة (والاختلاف) بينه وبين «الدبلوماسيَّة الإعلاميَّة»، ومن ثمَّ العلاقة بين كلٍّ منهما مع مفهوم «الدبلوماسيَّة العامَّة».
فالدبلوماسيَّة الإعلاميَّة تشير إلى استخدام وسائل الإعلام الجماهيريَّة من قِبل الدبلوماسيِّين والقادة السياسيِّين؛ للتَّأثير على الجماهير الأجنبيَّة، ودعم الجهود الدبلوماسيَّة، وإدارة الأزمات السياسيَّة، ودعم إستراتيجيَّات وأهداف الدبلوماسيَّة العامَّة، والقوَّة النَّاعمة، ونقل المواقف والرَّغبات السياسيَّة بشكلٍ غير مباشر (عبر التَّسريبات الصحفيَّة، والإشارات، وبالونات الاختبار)، كما يشمل ذلك المقابلات، والخُطب، والحملات الإعلاميَّة على وسائل التواصل الاجتماعيِّ؛ والمؤتمرات الصحفيَّة الموجَّهة للجمهور الدوليِّ (حكومات وشعوبًا).
ويفرِّق بعضُ المتخصِّصين -بشكلٍ غير دقيقٍ- بين الدبلوماسيَّة العامَّة، والدبلوماسيَّة الإعلاميَّة؛ من حيث أنَّ الأولى تهدف للوصول والتأثير في الرَّأي العام (الشعوب)، بينما تهدف الثَّانية للوصول والتأثير في الحكومات والمسؤولين. والواقع هو أنَّ هناك ارتباطًا وثيقًا بين المفهومَين، كما يتَّضح من التَّعريف السَّابق للدبلوماسيَّة الإعلاميَّة. فالإعلام، يمكن النَّظر إليه من ناحية على أنَّه أداة أساسيَّة من أدوات الدبلوماسيَّة العامَّة التي تجعل بإمكان تلك الدبلوماسيَّة التواصل مع الشعوب الخارجيَّة، وإيصال أفكارها، والتَّرويج لسياساتها وإنجازاتها؛ بهدف تحقيق المصالح القوميَّة وتعزيز صورة البلد، وهو في الوقت نفسه قوَّة ناعمة حال امتلاك برامجه ورسائله للجاذبيَّة، والقدرة على التأثير، وكسب احترام وثقة المتلقِّي.
وفي حين تعد «الدبلوماسية العامة»، الإطار الأشمل بإستراتيجيات متنوعة طويلة الأمد، (ثقافية، تعليمية، سياحية، رياضية، إعلامية…)، تأتي الدبلوماسية الإعلامية كأداة تكتيكية (قصيرة الأمد)؛ تستخدم في الأزمات، وتعزيز التواصل الدبلوماسي عبر الإعلام.. بينما ومن ناحية أخرى يعتبر «الإعلام الخارجي» إستراتيجية مستدامة، تهدف إلى التأثير على الرأي العام الأجنبي على المدى البعيد.
وختامًا، فإنَّ جميع هذه الأدوات ينبغي أنْ تسهم بتكامل وتناغم في دعم المساعي الرَّامية لتحقيق أهداف السياسة الخارجيَّة، وتعزيز القوَّة الناعمة للدولة، وزيادة نفوذها العالميِّ، وتحقيق مصالحها الوطنيَّة.