كتبت مؤخرًا مقالاً بعنوان: “هل الصحافة علم أم فن؟” تطرقت فيه إلى نقاش حصل بيني وبين أحد قدامى الإعلاميين قال لي فيه أنه يرى أن كليات الصحافة والإعلام ما هي إلا مضيعة للوقت وأن مهارات الإعلام لا تُدرَّس في قاعات الجامعات بل يتم اكتسابها في غرف التحرير والميدان. وأنا هنا لن أُكرِّر مبررات عدم قناعتي بهذا الرأي الذي يستخدمه البعض لشرعنة الاستمرار في تعيين غير المتخصصين في وظائف إعلامية، ولكني سأتناول إحدى تبعاته السلبية الواضحة على إعلامنا السعودي والمتمثلة في غياب الصحفي المتخصص في كافة المجالات من سياسة واقتصاد وطاقة وبيئة وقضايا أسرة وغيرها. حتى الإعلام الرياضي الذي يوجد لدينا الكثير من الصحفيين الممارسين له هو في الواقع أبعد ما يكون عن المهنية المتخصصة، وهذا ما يفسر اعتماد كثير من صحفييه على الإثارة والتهويل والتعصب بدلاً من صناعة القصص والتحقيقات العميقة حول القضايا الرياضية والتي تستلزم مهارة ومعرفة يتم اكتسابها بالتعليم الأكاديمي المتخصص.
من الأمثلة الأخرى للجوانب التي تفتقد وجود صحفيين متخصصين بها رغم أهميتها الشديدة للناس وللبلد ككل، قضايا النفط وأسواق الأسهم واللذان مرّا بفترات هبوط حادة عديدة، ومع كل ذلك لم تبادر أيًّا من مؤسساتنا الإعلامية طوال سنوات بل عقود مضت بدعم صناعة صحفيين متخصصين بهما، كما لم تبادر كليات الإعلام بجامعاتنا باستحداث مسارات أو أقسام متخصصة لهما.
من المهم الإشارة هنا إلى أن الصحفي لا يكون متخصصًا لمجرد أنه كتب عدة تحقيقات في مجال محدد، فالإعلام المتخصص (Specialized Journalism) يعني حرفة كتابة تقارير ذات عمق في موضوع محدد بشكل متواصل قائم على فهم وعلم للصحفي بذلك الموضوع يجعله قادر على سرد حقائق وتحليلات موثوقة فيه. الإعلام المتخصص يسمى أيضًا الإعلام الدقيق (Beat Journalism) في تأكيد على قدرته على تقديم تحقيقات تتميز بالدقة والمصداقية الناتجة عن تخصص الصحفي لفترة طويلة في مجال محدد واكتسابه الخبرة فيه.
أعتقد أن المسؤول الأول عن غياب الإعلام المتخصص لدينا هو المؤسسات الإعلامية التي لم تهتم بتأسيس وبناء صحفيين متخصصين عبر تدريبهم أو ابتعاثهم أو حتى مجرد حثهم على التركيز في شؤون إعلامية محددة.
المسؤول الثاني هو كليات الإعلام في جامعاتنا التي لم توفر حتى الآن مسارات للإعلام المتخصص كما فعلت العديد من الجامعات العالمية التي تقدم درجتي بكالوريوس وماجستير في الصحافة الاقتصادية والتجارية والرياضية والمالية، إضافة للصحافة المتخصصة في مناطق جغرافية معينة مثل أوروبا والشرق الأوسط والشرق الأقصى وغيرها. هذه الأقسام المتخصصة تتعاون مع الأقسام الأخرى في الجامعة مثل الاقتصاد والتجارة والسياسة، كما تتعاون مع المنظمات السياسية والتجارية الكبرى لتوفير خبرات عملية للطلاب.
المسؤول الثالث هو الصحفي نفسه الذي شاهد لسنوات طويلة هذا الفراغ والعجز في الصحفيين المتخصصين لدينا دون أن يبادر باختراقه عبر التعليم الذاتي والقراءة، أو حتى بالاستثمار في نفسه بالالتحاق بالدورات التدريبية داخليًا وخارجيًا بشكل يكسبه التميز والاحترافية المتخصصة.
لماذا تغيب صحافتنا المتخصصة؟
Categories: المدينة
Leave a Comment
Related Post
- متحف غزة.. الخروج من نفق الفرص الضائعة
وصفُ القضيَّة الفلسطينيَّة بأنَّها «قضيَّة الفرص الضَّائعة»…Read More
- كُتُبنا.. أكبادنا تمشي على الأرض
لا أحدَ يدرك غلاء الأبناء أكثر من…Read More
- هل سيحصل ترمب على «نوبل للسلام»؟
أيام قليلة تفصلنا عن موعد الإعلان عن…Read More