أثناء بحثي في بعض أوراقي القديمة وقعت يدي على مجموعة من ملاحظاتي المكتوبة التي أعادتني عشرين عاماً للوراء ويمكنني القول إنها كانت نقطة التحول الرئيسية في حياتي المهنية والعلمية. هذه الملاحظات دونتها عام ١٩٩٦م أثناء حضوري مؤتمراً فريدا في مدينة سان فرانسسيكو عنوانه Interactive Newspaper أي مؤتمر الصحافة المتفاعلة، كان مخصصاً لمناقشة القادم الجديد المسمى “انترنت” وتأثيراته المحتملة على الصحافة المطبوعة، وأذكر جيداً حماسي الشديد وأنا أتنقل بين جلساته المختلفة مسجلاً ملاحظاتي وحرصي البالغ على ألا يفوتني شيء منها رغم أن بعضها يعقد في نفس الوقت.
ورغم أن اهتمامي بالإعلام الجديد سبق حضوري لذلك المؤتمر بعدة أعوام حيث نشرت مقالي الأول عنه عام ١٩٩٤م وكان عنوانه (مع تطور الإعلام الإلكتروني هل تصبح الصحافة المطبوعة جزءاً من الماضي)، غير أنني أدين لهـذا المؤتمر بالفضل في وضعي على بداية الطريق للتخصص في هذا المجال الشيق والذي نتج عنه إصداري للعديد من المؤلفات والبحوث وأوراق العمل فيه.
حضوري للمؤتمر لم يكن ممكناً أيضاً لو لم تكن الجهة التي كنت أعمل بها وقتها تؤمن بأهمية تطوير قدرات موظفيها، وهذه الجهة هي «الشركة السعودية للأبحاث والنشر» التي كنت في ذلك الوقت مديراً لمكتبها في أمريكا، وأذكر أن طلبي لحضور المؤتمر تمت الموافقة عليه خلال أيام قليلة وذلك من قبل العضو المنتدب للشركة أستاذي محمد معروف الشيباني الكاتب في صحيفة مكة حالياً والذي دعم أيضاً دون تردد حضوري لعدد كبير من الدورات التدريبية المتخصصة في الإعلام والتقنية.
مشاركاتي في مؤتمرات الإعلام استمرت بدرجات متفاوتة منذ ذلك الحين وفقاً لطبيعة عملي التي انتقلت خلالها من العمل الإعلامي في القطاع الخاص إلى العمل الأكاديمي وحالياً ممارسة الاعلام في القطاع الحكومي.
ورغم أن المرحلة الحالية التي تعيشها صناعة الإعلام أصبحت الحاجة فيها أكثر إلحاحاً لمتابعة التغيرات فائقة السرعة لهذه الصناعة، الا أنها تشهد للأسف احجاماً واضحاً من مؤسساتنا الإعلامية في تمكين صحفييها من حضور تلك الفعاليات الهامة عالية المستوى إما بحجة ارتفاع تكلفتها أو لكون بعضهم يحرص للذهاب إليها لمجرد نيل شهادة الحضور أو للسياحة والترفية.
خلاصة القول إن الارتقاء بإعلامنا يتطلب التطوير المستمر الذي لا يعتبر خياراً بل ضرورة حتمية تقع مسؤوليتها على المؤسسات الإعلامية وموظفيها في نفس الوقت وذلك عبر استثمار المؤسسات في تطوير مواردها البشرية بثقة ودون تردد، وإقبال تلك الموارد البشرية على التطوير بجدية واهتمام.