بين يدي الآن نسخة لا زلت أحتفظ بها من تقرير في 60 صفحة، كتبته في 9 مارس 1996م (قبل 28 سنة)، يحمل عنوان (مؤتمر الصحافة المتفاعلة 96)، وهو موجه مني للأستاذ أحمد محمود متعه الله بالصحة وطول العمر، وكان يشغل حينها وظيفة المدير العام للشركة السعودية للأبحاث والنشر، التي كانت – ولا زالت- تصدر مجموعة من أشهر وأهم الصحف والمجلات في العالم العربي، ومنها صحف الشرق الأوسط وعرب نيوز والاقتصادية، ومجلة المجلة وسيدتي، وغيرها، وكنت أنا حينها مديراً لمكتب الشركة في أمريكا.
لا زلت أذكر جيدا حتى اليوم قلقي الشديد وأنا في مكتبي في العاصمة واشنطن أكتب خطابا للأستاذ أحمد محمود؛ ألتمس فيه الموافقة على حضوري للمؤتمر الذي سينعقد بعد أيام قليلة في مدينة سان فرانسيسكو، وتبلغ رسوم التسجيل به حوالى 200 دولار، بالإضافة إلى تكلفة تذكرة الطيران والإقامة في الفندق لفترة انعقاد المؤتمر، وهي أربعة أيام من 21- 24 فبراير. وكان قلقي حينها نابعاً من ضيق الوقت، وخشيتي من أن يتأخر الرد على طلبي، أو حتى إمكانية ألا تتم الموافقة عليه.. أرسلت الطلب يومها عبر جهاز الفاكس، ووصلني الرد بالموافقة بشكل شبه فوري لا يمكن نسيانه، وإيفاؤه حقه من التقدير والامتنان.
أحد أسباب اهتمامي الشديد بحضور هذا المؤتمر، هو أن صحيفة الشرق الأوسط حينها كانت واحدةً من صحفٍ معدودة في العالم؛ يتم إرسالها عبر الأقمار الصناعية في نفس يوم صدورها لمراكز طباعة في أنحاء مختلفة من العالم ومنها أمريكا، ثم يتم توزيعها في نفس يوم الصدور على نقاط البيع وعلى السفارات العربية، وكذلك على الطلاب السعوديين المبتعثين مجاناً على حساب الحكومة السعودية.. وكان هذا الأمر مثار دهشة وإعجابٍ كبير لدى الجاليات العربية في أمريكا، بشكل يمكن وصفه أنه كان بمثابة قوة ناعمة سعودية سابقة لزمانها فائقة الجاذبية والتأثير، لا تعكس ريادة الإعلام السعودي فحسب، بل وقبله حرص حكومة المملكة على رفاه المواطن السعودي في مختلف أنحاء العالم.
هذه الأسبقية والأفضلية لم تكن أمراً سهلاً، بل كانت تتطلب كثيراً من الجهد والدقة، ناهيك عن التكلفة العالية للإرسال بالأقمار الصناعية، وتكلفة الطباعة والورق والتوزيع في بلد باتساع الولايات المتحدة.
وفي منتصف التسعينيات جد أمرٌ جديد بدأ في تغيير وجه الصحافة، وهو ظهور الإنترنت وبدء انتشارها، وكانت حينها مجرد تكنولوجيا صغيرة لم يسمع عنها سوى عدد بسيط من المتخصصين والمهتمين.
وجاء مؤتمر الصحافة المتفاعلة بمثابة جرس إنذار لشركات الصحافة بأن هذا القادم الجديد ستكون له تأثيرات جذرية على مستقبلهم؛ وصفها أحد المتحدثين بقوله: «لا أعتقد بأنه سبق لنا كـ «دور للنشر» أن واجهنا أو سنواجه في المستقبل فرصاً للربح كهذه التي أمامنا الآن.. وفي نفس الوقت، لا أعتقد بأنه سبق لنا أن واجهنا أو سنواجه في المستقبل خطراً كهذا الذي نُواجهه اليوم». لقد مثلت الإنترنت وسيلة ثورية جديدة تتيح للصحف الوصول لقرائها في جميع أنحاء العالم بضغطة زر واحدة، وتوفر لهم كل تكاليف الأقمار الصناعية والطباعة والحبر والورق، ومزايا أخرى عديدة.
تحدث في المؤتمر 78 خبيراً ومسؤولاً من أهم شركات الصحافة التقليدية والتكنولوجيا والإعلان، وكنت أتنقل بين المحاضرات وورش العمل بكل حرص على عدم تفويت أي كلمة منها. ورغم اختلاف الآراء حول تأثيرات الإنترنت ومصير الصحافة المطبوعة والحلول المطلوبة، إلا أن النقاشات كانت جميعها احترافية، وتهدف لأمرٍ واحد وهو التسخير الأمثل للتكنولوجيا لصالح صناعة الصحافة وازدهارها.
حضوري لهذا المؤتمر لم يقدم لي فقط ثروة من المعلومات، بل إنه وضع رجلي على بداية طريق جديد لا زال يشغلني ويُضيء طريقي المهني حتى اليوم.. باختصار، مؤتمر الصحافة المتفاعلة 96 لم يكن مجرد مؤتمر، بل هو نموذج حقيقي لما ينبغي أن تكون عليه المؤتمرات المهنية من تركيزٍ واحترافية وتعدد آراء وأخلاقيات مهنة؛ لا ينبغي أن تتغير أو تتبدل مهما طال الزمن.