X

مدرسة “اشربوا من البحر” الصحفية

عندما كتب الأستاذ عثمان العمير مقاله الشهير بعنوان “اشربوا من البحر فنحن هلاليون” قبل أكثر من ثلاثين سنة، فهو قطعاً كان يدرك حينها أن هذا العنوان الصحفي المثير سيحدث جدلاً بين الأوساط الصحفية الرياضية وجماهير كرة القدم السعودية قد يمتد لأيام أو بحد أقصى أسابيع. غير أن أحداً لم يكن يتوقع بأي حال من الأحوال أن يمتد تأثير ذلك العنوان لأكثر من ثلاثة عقود، والأدهى من ذلك أن يتحول إلى “مدرسة” صحفية يحذو حذوها ويتتلمذ عليها كثير من الصحفيين الرياضيين وغير الرياضيين، الذين رأوا في استخدام أسلوب الاثارة المصطنعة أقصر وأسهل طريق للشهرة. صحيح أن كثيراً من صحفيي اليوم الجدد لم يعاصروا عثمان العمير وربما لا يعرف كثير منهم القصة وراء عبارة “هلاليون واشربوا من البحر”، لكن شهرة نادي الهلال وجماهيريته الكبيرة، إضافة إلى ذكاء العمير ساهم في تخليد تلك العبارة. والواقع أن العمير نفسه لازال حتى اليوم يحاول بين الحين والآخر استنساخ تلك التجربة التي جعلت الإثارة جزءًا لا يتجزأ من شخصيته على المستوى الصحفي والشخصي.
وفي الوقت الذي نجح فيه العمير بامتياز كصحفي، فإن تلاميذ مدرسة “اشربوا من البحر” الجدد تحولوا إلى عبء إعلامي واجتماعي لأن همهم الأكبر -بل ربما الأوحد- أصبح البحث عن الإثارة والفرقعات الإعلامية وذلك على حساب العمل الصحفي الاحترافي العميق، وأصبحنا نتيجة لذلك نقرأ كل يوم في صحفنا عناوين مثيرة ذات مضامين جوفاء مليئة بالمبالغات والتهويل، وأصبحنا نرى في برامجنا التلفزيونية لقاءات وتحقيقات تخصص فتراتها الزمنية المطولة ليس وفقاً لأهمية الموضوع للمجتمع ولكن وفقاً لما يمكن أن يثيره من جدل وصخب.
لنأخذ مثالاً بسيطاً بعض برامجنا الرياضية التي أزكمت أنوفنا بإصرارها على استضافة “محللين” لايملكون ولو قليلاً من مهارات الحديث التلفزيوني أو التحليل الرياضي، وكل ما يتمتعون به هو التعصب المتطرف لنادٍ معين وسلاطة اللسان، ثم يتركهم المذيع ليمارسوا “صراع ديكة” أمام مشاهدين أغلبهم من المراهقين وصغار السن الذين يتم تلقينهم بشكل منتظم قيم التعصب الرياضي وسوء لغة الحوار. صحيح أن المذيع يحقق بذلك كثيراً من الشهرة وزيادة المتابعين، والبرنامج تزيد نسب مشاهدته وبالتالي مداخيله الإعلانية، لكن المجتمع يدفع الثمن غالياً جداً نتيجة لكل ذلك.
هذا الأسلوب في الاثارة تعرفه الصحافة الغربية أيضاً وليس حكراً علينا، والمصطلح العلمي له هو sensationalism أي قيام وسيلة الاعلام بنشر التحقيقات والأخبار بشكل مليء بالتهويل والمبالغة وذلك بهدف زيادة نسب المشاهدة والتوزيع لتحقيق عوائد مالية أعلى، وهو أسلوب غير مهني لأنه يتعارض مع المصداقية والأمانة الصحفية ويشوه الخط الفاصل بين الخبر news والترفيه entertainment . ويُعرف هذا الأسلوب في الغرب باسم صحافة التابلويد أو الصحافة الصفراء تمييزاً له عن الصحافة الرزينة.
ان مدرسة “اشربوا من البحر” الصحفية بالاضافة لكونها شكلاً من اشكال الصحافة الصفراء، فانها أيضا حيلة الإعلامي الضعيف وطريقة الوسيلة الإعلامية للانتشار الزائف على حساب المصداقية والمهنية، وهي فوق كل هذا وذاك سبب أساسي لتنامي مشاكل المجتمع وصراعاته وتشتيت انتباهه عن قضاياه الحقيقية إلى قضايا فرعية وسطحية.

Categories: المدينة
سعود كاتب:
Related Post