قم بمشاركة المقالة علي:
زرتُ مُؤخَّراً الطائف لحضور عزاء شقيقتي الكبرى رحمها الله، وقضيتُ فيه عدة أيام بعد غيابي عنه سنوات طويلة، تخللتها زيارات قليلة وسريعة. والطائف هو مسقط رأسي، وعشتُ فيه حتى نهاية المرحلة الثانوية. وزيارتي هذه كانت مختلفة عن سابقاتها، حيث غلبني فيها حنين شديد للتجوُّل في «حارة» معشي التي عشت فيها سنواتٍ من عمري، متخمةً بالتجارب والذكريات.
ومعشي هو حي صغير نسبياً، كان الجزء الأوسط منه -الذي عشتُ فيه- يتميَّز بتنوعٍ فريد لسُكَّانه، من حيث مناطقهم الأصلية، ومستواهم المعيشي الذي كان يتراوح بين أغلبية فقيرة إلى أقلية متوسطة الدخل. وبالرغم من هذا التفاوت، إلا أن الترابط والتآلف بين سكانه كان سمة بارزة بشكلٍ يندر رؤيته اليوم. كما تميَّز الحي بهدوئه، وميل أكثر شبابه للتعليم والعمل والرياضة، وبُعدهم عن كثير من المشاكل والمشاحنات التي كانت سائدة في بعض الأحياء الأخرى.
كل بيت مررتُ بجواره أعرفه جيداً.. وسآخذكم في جولة سريعة، انطلاقاً من بيتنا القديم، فالبيوت التي تليه، ذاكراً أسماء أصحابها الأخيرة، بهدف ملاحظة ذلك التنوع الفريد الذي جمعهم كعقدٍ واحدٍ بديع: الزهراني، البيشي، العمري، العلاوي، البحري، الشهري، الجحدلي، الحربي، العسيري، المعطاني (ومنهم الأخ الدكتور عبدالله المعطاني نائب رئيس مجلس الشورى السابق)، العنزي، العساف، الجعيد (ومنهم الحكم الدولي مثيب الجعيد رحمه الله)، الاسكندراني، الغامدي (ومنهم الصديق أحمد الغامدي مدير شركة الاتصالات بالطائف سابقا)، السندي، الصامطي، البيز، السريع، الإبي، البديوي، الرشيدي (ومنهم الإعلامي الرياضي عايد الرشيدي)، الشهراني، الجفري، الفريح، الشريف الحارثي، القاضي، أبو زنادة، الميمان (ومنهم الزميل الكاتب ثامر الميمان رحمه الله).
بيوت الحي القديمة وأزقته الضيقة لا زالت كما هي، باستثناء تغييرات محدودة.. كانت الحياة بسيطة، وكانت تلك البساطة والتآلف تُخفِّف كثيراً من قسوة الظروف، فالفوارق لم تكن مهمة، والمظاهر لا تعني الكثير للناس بقدر السمعة الطيبة. وأصعب موقف صادفته حينها ولا يمكن نسيانه، هو انهيار البيت الذي كُنَّا نسكنه ونحن داخله، ونجاة أسرتي بكاملها بمعجزة يصعب تخيلها وتصديقها.
أكملتُ جولتي في أطراف الحي، حيث منطقة الفلل والقصور، وأذكر منها بيت الذكير وبيت الشيخ عبدالرحمن بن سعيد، مؤسس نادي الهلال، وكانوا غالباً يحضرون للطائف فترة الصيف فقط. كما مررتُ بمدرستي الابتدائية الأحنف بن قيس، وثانوية الفيصل، وبموقع كافيتريا غيلمة الشهيرة، وهي عبارة عن مقهى فاخر (واستريو) سابق لزمانه حينها.
ولم أفوّت فرصة زيارة أماكن ومعالم خارج الحي بقيت صامدة، وأخرى طالها التطوير والتغيير، ومنها: القشلة ومشهد العيد ومجمع نجمة، وخان الملطاني، إضافةً للمعهد العلمي في شبرا، والذي درست فيه المرحلة المتوسطة.
الحديث عن الطائف وأحيائه وتركيبته السكانية وعلاقاته الاجتماعية، يستحق الكثير من التوثيق، وهو أمرٌ لا أُجيده.. وما كتبته أعلاه لا يعدو كونه خواطر وذكريات.. وتساؤلاً مُلحاً لا أملك إجابة عليه، وهو: هل لا زال ذلك النموذج الجميل للتنوع والترابط الاجتماعي قائما أم طاله التغيير؟.
