X

هل أفرط العالم في استخدام كلمة «دبلوماسية» ؟

قبل فترة زمنية ليست بالبعيدة، كانت كلمة «دبلوماسية» تُستخدم بشكل محدود للغاية؛ لا يتجاوز كثيراً نطاق تعريفها التقليدي المتداول بأنها: «فن ممارسة المفاوضات بين مسؤولي الدول، وذلك لتحقيق أهداف السياسة الخارجية عبر استخدام الوسائل السلمية». ومع بزوغ وانتشار الإنترنت في أواخر التسعينيات، بدأت العديد من المصطلحات المبتكرة الجديدة تظهر ويتم تداولها بشكل كبير، ولم يقتصر ذلك على الأمور المرتبطة بالتكنولوجيا والإعلام فقط، بل شمل أيضا الدبلوماسية، حيث ظهر سيل من المصطلحات والمسميات الجديدة التي تم ربطها بكلمة «دبلوماسية» بشكل أو بآخر، وبداعٍ أحيانا ودون داعٍ في أحيان أخرى.

والسؤال المثار حاليا هو: هل هذا السيل من المفاهيم الجديدة يعتبر أمرا طبيعيا وإيجابيا، أم أنه ابتذال غير صحي للمفهوم يؤدي للإرباك والتشويش عليه، والتقليل من قيمته ومكانته؟.

ملاحظتي لهذه الإشكالية بدأت في الواقع عام 2002م، عندما صدرت الطبعة الأولى من كتابي (الإعلام القديم والإعلام الجديد)، والذي خصصت فيه أكثر من جزء بهدف حصر المصطلحات الإعلامية الجديدة التي أفرزتها الإنترنت، وإيضاح الفروقات بينها. ومن ضمن تلك المصطلحات التي لا يزال الخلاف سائدا حول بعضها: إعلام جديد أو رقمي.. بديل.. متجدد.. إلكتروني؟ صحافة إلكترونية أو صحافة رقمية؟، شبكات تواصل اجتماعي أو وسائل تواصل اجتماعي؟، شبكة نسيجية أو عنكبوتية، وغيرها.

بعد ذلك، وفي كتاب آخر لي حول «الدبلوماسية العامة» صدرت طبعته الأولى عام 2019م، وجدت نفسي مجددا أمام مجموعة كبيرة أخرى من المصطلحات المرتبطة هذه المرة بالدبلوماسية، ومنها على سبيل المثال: دبلوماسية رقمية (سيبرانية)، دبلوماسية سياحية.. دينية.. رياضية.. بيئية.. تعليمية.. وغيرها.

وبهذا الخصوص، نشرت مدونة «ديبلو» الأمريكية مؤخرا مقالا للكاتب «جوفان كورباليجا» بعنوان (الدبلوماسية: مفهوم متضخم واحترام متناقص)، رأى فيه كاتب المقال بأن الإفراط في استخدام هذا المفهوم وصل إلى درجة التضخم، مما أدى إلى خلق نوع من الغموض حياله، والتقليل من درجة الاحترام المرتبطة به. وجمع الكاتب 251 تعريف مرتبط بالدبلوماسية، منها: دبلوماسية السيجار، دبلوماسية الجمل، دبلوماسية الباندا، دبلوماسية المناخ، دبلوماسية الغوريلا، دبلوماسية الصمت، دبلوماسية المواطن. بل أن إحدى الصحف نشرت مقالا يحمل عنوان «دبلوماسية الحذاء».

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث انتشرت في مختلف دول العالم فنادق ومطاعم ومقاهي ومتاجر تحمل اسم «الدبلوماسي» و»دبلومات» و»دبلوماسية».

مجددا، هل كل ذلك يعتبر أمرا ضارا وابتذالا غير حميد للمفهوم؟.

اعتقادي الشخصي، أنه في الوقت الذي أتفهم فيه – لحد ما- الرأي القائل بأن هذا التضخم والإفراط في استخدام مفهوم «الدبلوماسية» يمكن أن يؤدي لبعض الإرباك، والتقليل من احترام المفهوم، ولكني في نفس الوقت لا أجد في ذلك أمرا مزعجا أو ضارا لدرجة تدعو للاستياء. بل على العكس، أرى أنه انعكاس طبيعي لجاذبية مفهوم «الدبلوماسية» والنظرة الايجابية السائدة عنه في مختلف المجتمعات.

 

Categories: المدينة
سعود كاتب:
Related Post