قم بمشاركة المقالة علي:
سألني أحد الأصدقاء عن أكثر ممارسة اجتماعية تشعرني بالضيق والانزعاج فأجبته فوراً بأنها غياب مظاهر الاحترام المتبادل ومراعاة المشاعر بين الناس والذي يتجلى في ممارسات شائعة نراها أينما ذهبنا، ومنها القيادة المتهورة، والتدخين في الأماكن العامة، وعدم احترام الطابور والوقت، والتجهم بسبب ودون سبب، وتعقيدات الموظف للمراجعين بدلاً من مساعدتهم.
ولأن صديقي سأل عن أكثر ممارسة وليس ممارسات، فقد حاولت البحث عن كلمة واحدة تختزل كل ذلك، كأن أقول مثلاً: عدواني، جلف، معقد، مزعج، بيروقراطي.. لكن كلاً من هذه الكلمات تصف فقط واحدة من تلك الممارسات وليس جميعها.
الملفت في المقابل -حسب علمي المتواضع- هو أن هناك كلمة إنجليزية واحدة يمكنها اختزال كل تلك الصفات والممارسات وهي”inconsiderate“ أي الشخص دائم الإيذاء لمشاعر الآخرين وحقوقهم، والتي بالعودة إلى القاموس نجد أنه يندرج تحتها مجموعة صفات مثل: الأنانية والغرور والجلافة والقسوة والوقاحة. ومن أجل ذلك فإن هذه الكلمة تعتبر في المجتمعات الناطقة بالإنجليزية من أسوأ الصفات وأكثرها إيلاماً.
وتجنباً لخطأ تعميم القول، فإني أؤكد بشدة بأن مجتمعنا ولله الحمد مليء بأهل الخير والأخلاق الحميدة ممن يحرصون كل الحرص على مشاعر الآخرين وتجنب إيذائها. ولكن حتى نكون واقعيين فإن جميع الممارسات المذكورة أعلاه منتشرة لدينا لدرجة يمكن معها القول بأنها تمثل القاعدة وليس الاستثناء. فالقيادة المتهورة، والتدخين في الأماكن العامة، وعدم احترام الوقت والطابور مثلاً هي جميعاً القاعدة وليس الاستثناء. المؤلم هو أن درجة تحضر ورقي أي مجتمع يمكن قياسها بيسر وسهولة من خلال تلك الممارسات التي تعكس جودة التعليم وفاعلية برامج التربية وثقافة احترام الأنظمة والقوانين، ووجود قاعدة صلبة من القيم الاجتماعية المطبقة في ذلك المجتمع قولاً وفعلاً.
الملاحظ أيضاً هو أن ممارسات إيذاء المشاعر انتقلت من مجتمعاتنا الواقعية إلى مجتمعاتنا الافتراضية والتي أصبحت مرتعاً للقذف والإشاعات والتعليقات البذيئة. حتى الظرافة وخفة الدم المحببة أصبح يعبر عنها على الشبكات الافتراضية بوصف جارح وعنيف هو “قصف الجبهة”، أي الحاق أقصى درجات الإيذاء بالشخص عبر السخرية العلنية منه، وهي ممارسة انتشرت بشكل واسع لدرجة أن السخرية والتهكم أصبحت ميزة نقابلها بالتشجيع عبر الـ “ريتويت” والتفضيل والاعجاب وذلك عندما تمارس على الآخرين، وبالغضب والانفعال عندما تمارس علينا.
سأختم مقالي بقولٍ حكيم ومعبر لرسولنا عليه الصلاة والسلام، لن أزيد عليه، وهو: “لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه”، فهذا هو ديننا.. وتلك هي أفعالنا!
