X

هل تلغي المكتبات الرقمية الحاجة للمكتبات العامة؟

أثناء بحثي بين كتبي الدراسية القديمة وقعت يدي على قاموس عربي إنجليزي لم يكن يفارقني أبداً أواخر الثمانينات وبداية التسعينات الميلادية. هذا القاموس المتآكل أعاد لي كثيراً من ذكريات الدراسة الجامعية وكيف كانت ترجمة الكلمات والمصطلحات تأخذ مني وقتاً طويلاً، خاصة أني تنقلت بين تخصصات دراسية مختلفة، بدءًا من الكمبيوتر ثم العلاقات الدولية وانتهاءً بالاتصال الجماهيري والإعلام. كنت أصطحب هذا القاموس معي عند ذهابي المتكرر لمكتبة الجامعة التي كنت أقضي بها يومياً ساعات طويلة خاصة أيام الاختبارات وعند كتابة البحوث الدراسية. أذكر جيداً بدروم مكتبة “الجامعة الأمريكية” في واشنطن العاصمة حيث توجد بأحد أركانها مكائن التصوير التي كنت أستخدمها لتصوير صفحات المراجع البحثية، ويوجد في الركن الآخر قسم المايكروفيلم والمايكروفش-وهي تقنيات انقرضت تقريباً- كنت حينها ألجأ إليها للبحث عن المقالات في الدوريات والمجلات العلمية.
ونظراً لأني عايشت تلك الفترة عن قرب بكل تفاصيلها كما عايشت بعد ذلك التطورات المتعاقبة لظهور الانترنت، فإني أشعر بذهول شديد لحجم وسرعة تلك التطورات التكنولوجية والتغيرات الكبيرة التي أحدثتها في أدق تفاصيل حياتنا. أشعر بالذهول عندما أفكر في الوقت الطويل الذي كنت أقضيه في المكتبة منقباً لساعات عن معلومة أو في معمل الكمبيوتر مستخدماً أجهزة بطيئة كالسلحفاة مقارنة بأجهزة اليوم. أجهزة كثيراً ما تفاجئني بضياع المادة التي قضيت ساعات في إنجازها لأن الكهرباء انفصلت أو لأن “القرص المرن” أصابه تلف فضاع كل ما فيه. انقرض القرص الأسود المرن وظهرت بعده أقراص أصغر بقدرات تخزين أكبر ثم ظهر الـ CD فالـ DVD ثم البلوراي، ناهيك عن أجهزة ذاكرة الفلاش والتخزين السحابي.
تطورت الانترنت بشكل أكبر وأسرع من كل التوقعات، فعلى سبيل المثال ذكرتُ بإعجاب في كتابي الذي صدر عام ١٩٩٧ بأن عدد مستخدمي الانترنت هو حوالي ٣٠ مليون مستخدم وأنه يزداد سنويا بمعدل ١٠٠٪. اليوم تجاوز عدد المستخدمين ٢ مليار أي بزيادة قدرها ٦٧٠٠٪ عن الرقم الذي ذكرته قبل ١٧ سنة. هذه التطورات الهائلة للانترنت لم تقتصر على أعداد مستخدميها فقط، بل وعلى سرعاتها وأسعارها ومحتواها واستخداماتها ونوعية وذكاء الأجهزة الناقلة لها، وهي تطورات كان لها بالغ الأثر على حياة الناس وأنا منهم. ومن الأمثلة البسيطة لتلك التأثيرات ذات العلاقة بموضوع مقالي توقفي عن استخدام “الموسوعات المطبوعة” التي اشتريتها بثمن مرتفع في التسعينات، فهذه الموسوعات انقرضت تماماً بشكلها المطبوع وأصبحت تصدر في أقراص مدمجة منخفضة السعر أو على الانترنت باشتراك شهري بسيط، مع إضافات لا حصر لها كالتفاعل والتحديث والوسائط المتعددة.
ليست الموسوعات المطبوعة وحدها من فارق الحياة، فقاموسي المطبوع أيضاً أصبح مجرد ذكرى، ولا أستطيع تصور أي شخص يستخدم تلك القواميس اليوم بعد أن أصبحت متوفرة على الانترنت لكل التخصصات العلمية وبخصائص فريدة كالتحديث المستمر والشروحات والأمثلة متعددة الوسائط. والواقع أن الترجمة على الانترنت تشهد تطوراً هائلاً سيغير خارطة المحتوى الرقمي وسيضيف بعداً جديداً لمفهوم العولمة والقرية الكونية، حيث من المتوقع أن تتطور تلك الترجمة خلال السنوات القادمة بشكل كبير تصبح معه الترجمة آنية للصوت والفيديو بحيث تتبخر عقبة اللغة على الانترنت بشكل كامل ويصبح أي محتوى يتم نشره على الشبكة عالمي الوصول، ولنا أن نتخيل نتائج ذلك تسويقياً وثقافياً واجتماعياً وإعلامياً.. سيكون الأمر أشبه بوجود لغة واحدة يتحدث بها جميع سكان الأرض تقريباً.
أخيراً، لقد تحدثت وكتبت كثيراً بأني لم أقم بشراء صحيفة مطبوعة واحدة من سنوات طويلة، وهذا يمكن أن يكون مقبولاً من واقع أن الأخبار والمعلومات ومواقع الصحف أصبحت متاحة على الانترنت بشكل كافٍ يغني عن شراء الصحيفة الورقية. لكن ما سأقوله الآن ربما يمثل مفاجأة للكثيرين وأكاد أجزم أن بعضهم سينتقدني بشدة بسببه وقد يتهمني بالجهل أو السطحية أو “أمية المتعلمين”، وهذا الأمر هو أن آخر مرة دخلت فيها مكتبة عامة كانت قبل عدة سنوات وأنه أصبح بمقدوري فعلا الاستغناء عن ارتياد المكتبات العامة.
لنضع العواطف جانباً وننسَ قليلاً تاريخ المكتبات في المشرق وأثرها على مر العصور على الثقافة وتقدم الأمم وتحضرها فهذا أمر لا جدال فيه، ودعونا نسأل أنفسنا بمنطق وصراحة: هل الأجدى انفاق عشرات وربما مئات الملايين لإنشاء مبانٍ شبه مهجورة على مساحات شاسعة وأعداد موظفين كبيرة وتكاليف صيانة باهظة، أم أن الأجدى هو البدء بتحويل جزء من تلك الاستثمارات تدريجياً نحو زيادة المحتوى الرقمي وإنشاء مكتبات رقمية وتطوير بنيتها التحتية وقوانينها وأنظمتها؟
لقد ألغت التكنلوجيا الرقمية تماماً الحاجة للقواميس والموسوعات المطبوعة. كما أعلن أكبر مسوق للكتب في العالم وهو شركة “أمازون” بأن مبيعاته من الكتب الرقمية تجاوزت الورقية بمعدل 180 كتاباً إلكترونياً مقابل كل 100 كتاب ورقي. المسألة هي اذا مسألة وقت قبل أن يصبح لكل كتاب جديد نسخة رقمية، ومسألة إرادة لتحويل كل نسخ محتويات المكتبات القديمة الى الصيغ الرقمية. والسؤال هو هل سنكون بحاجة للمكتبات العامة بعد أن يتم ذلك، ولأي غرض؟

Categories: المدينة
سعود كاتب:
Related Post