قم بمشاركة المقالة علي:
خلصت دراسة لي، أجريتُها مع مركز «أسبار» عام 2020م، بعنوان: (نحو رؤية شاملة لإستراتيجيَّة وطنيَّة للقوَّة النَّاعمة السعوديَّة)، إلى ضرورة وجود تصنيف للدُّول والتجمُّعات الجغرافيَّة وفقًا لدرجة أهميَّتها للمملكة العربيَّة السعوديَّة، فيما يتعلَّق بتوظيف دبلوماسيتها العامَّة، ومصادر قوَّتها النَّاعمة، والكيفيَّة التي ينبغي أنْ يتمَّ بها ذلك التَّوظيف. ووفقًا لنتائج الدِّراسة، جاءت الولاياتُ المتحدة الأمريكيَّة، وأوروبا الغربيَّة باعتبارهما الأكثر أهميَّة وحاجة لأنشطة دبلوماسيتنا العامَّة. يليهما على التَّوالي من حيث درجة الأهميَّة: الصين، واليابان، روسيَا، الدُّول الإسلاميَّة، الدُّول العربيَّة، دُول جنوب شرق آسيا، دُول مجلس التَّعاون الخليجي، الدُّول الإفريقيَّة، وأخيرًا دُول أمريكا الجنوبيَّة.
وأكَّدت الدِّراسة على أنَّ هذا التَّصنيف لا يعني بأيِّ حال إغفال الاهتمام بالدُّول أو المجموعات الجغرافيَّة التي نالت درجة أهميَّة أقل، حيث إنَّ الغرض من التَّصنيف يكمن في الحاجة لمعرفة وتحديد الأولويَّات، خاصَّةً في ظلِّ ظروف محدوديَّة الموارد، فالولايات المتحدة الأمريكيَّة، وأوروبا الغربيَّة هما الأكثر أهميَّة وحاجة لأنشطة دبلوماسيتنا العامَّة؛ نظرًا لأهميتهما السياسيَّة والاقتصاديَّة والإعلاميَّة، وللشَّراكات الإستراتيجيَّة القائمة بينهما، وبين المملكة، ولكونهما المناطق الأكثر استهدافًا من قِبل الحملات المعادية لتشويه صورة المملكة.
كما أكدت الدراسة، على ضرورة الوجود، وعدم ترك فراغ في أي دولة تربطها علاقات دبلوماسية مع المملكة، وأن هذا الوجود ينبغي أن يتسم بالاستمرارية، نظرا لكون أنشطة وفعاليات الدبلوماسية العامة تفقد كثيرا من زخمها وتأثيرها عند الانقطاع، وهذه القاعدة ينبغي اتباعها مع جميع الدول، وبدرجات مختلفة من التركيز؛ وفقا لأهمية الدولة، وحسابات الظروف الراهنة، والموارد المتاحة.
الأمرُ الهامُّ الآخر بهذا الخصوص، هو ضرورة الإدراك بأنَّ تكنولوجيا الاتِّصال الحديثة جعلت العالم اليوم قريةً صغيرةً، تلاشت فيها الحدود؛ ممَّا يجعل عمليَّة التَّوازن في أنشطة وتوظيف مصادر الدبلوماسيَّة النَّاعمة عمليَّة تتَّسم بالصعوبة، وتحتاج بالتَّالي كثيرًا من الدقَّة والخبرة والمهارة. فالمبادرة التي يمكن أنْ تكون ذات جاذبيَّة وقبول في بلد خارجي معيَّن؛ يمكن أنْ تكون -في الوقت نفسه- سلبيَّةً وغير مرغوبةٍ في بلد آخرَ، وهذا الأمر يمكن أنْ يكون ناتجًا؛ بسبب الاختلافات الثقافيَّة، أو المصالح والاعتبارات السياسيَّة، أو الاقتصاديَّة، وغير ذلك من أسباب. هذا الأمر يتطلَّب من ممارسي الدبلوماسيَّة العامَّة كثيرًا من الحرص عند وضعهم للأنشطة والمبادرات لبلد معيَّن، بحيث لا يكتفُون بحصر تفكيرهم على النتائج والتأثيرات المرغوبة لتلك الأنشطة على ذلك البلد وحده، بل أيضًا على النتائج والتأثيرات المحتملة غير المرغوبة في بلدان وأطراف أُخْرى من العالم.
خلاصة القول هي أنَّ الدبلوماسيَّة النَّاعمة المحترفة، هي تلك التي تكون قادرةً على تحقيق أهدافها المنشودة بشكلٍ متوازنٍ وحكيمٍ، لا ينتج عنه مكاسب في مكان، مقابل خسائر أكبر في مكانٍ آخرَ.
