قم بمشاركة المقالة علي:
الدبلوماسيَّةُ العامَّةُ هِي مجالٌ جديدٌ لفتَ الأنظارَ إليهِ فِي مختلفِ أنحاءِ العالمِ بسرعةِ انتشارِهِ وتطوُّرِهِ الذِي لا زالَ مستمرًّا، سواء فِي مجالِ البحثِ والدِّراسةِ، أو الممارسةِ والتَّطبيقِ.
وباعتبارِهَا أحدَ فروعِ العلومِ الاجتماعيَّةِ التِي تتَّسمُ -بحُكمِ طبيعتِهَا- بالتَّعقيدِ، وعدمِ الاستقرارِ، فإنَّ الدبلوماسيَّةَ العامَّةَ واجهت الكثيرَ مِن التَّساؤلاتِ الأساسيَّةِ التِي تشملُ المفهومَ والنظريَّةَ، بالإضافةِ للممارسةِ والتَّطبيقِ. وممَّا يزيدُ مِن صعوبةِ وتعقيداتِ تلكَ التساؤلاتِ، هُو حقيقةُ أنَّ الدبلوماسيَّةَ العامَّةَ تُعتبرُ أكثرَ فروعِ العلومِ الاجتماعيَّةِ تعدُّدًا للتخصُّصاتِ.
وبالنسبةِ لِي كممارسٍ وباحثٍ فِي الوقتِ نفسِهِ، فإنَّ هذَا التعدُّدَ للتخصُّصاتِ يُعتبرُ أحدَ أبرزِ المزايَا التِي تمنحُ الدبلوماسيَّةَ العامَّةَ، مزيدًا مِن التفرُّدِ والفاعليَّةِ والقدرةِ على التَّأثيرِ، حيثُ كتبتُ -سابقًا- بهذَا الخصوصِ بأنَّ الدبلوماسيَّةَ العامَّةَ تُعتبرُ أحدَ التخصُّصاتِ الفريدةِ التِي تجمعُ تحتَ ثنايَاهَا أربعةُ مجالاتٍ مختلفةٍ، هِي: الثَّقافةُ، والإعلامُ، والعلاقاتُ الدوليَّةُ، وتكنولوجيَا الاتِّصالِ، فالثَّقافةُ هِي عمودُهَا الفقريُّ، والإعلامُ هُو صوتُهَا وسمعُهَا وبصرُهَا، والعلاقاتُ الدوليَّةُ هِي قلبُهَا النَّابضُ وفكرُهَا المتَّقدُ، وتكنولوجيَا الاتِّصالِ هِي الأكسجينُ الذِي يمنحُهَا الحياةَ والحيويَّةَ. غيرَ أنَّه علَى الجانبِ الآخرِ يرَى بعضُ الباحثِينَ بأنَّ ذلكَ التعدُّدَ نتجَ عنهُ تساؤلاتٌ حولَ مشروعيَّةِ الدبلوماسيَّةِ العامَّةِ كحقلٍ علميٍّ مستقلٍّ، واعتبارهَا مِن قِبلِ العديدِ مِن الباحثِينَ حقلًا فرعيًّا للعلاقاتِ الدوليَّةِ، أو للاتِّصالِ، أو للعلاقاتِ العامَّةِ.
ورغمَ أنَّ الدبلوماسيَّةَ العامَّةَ لمْ تطوِّرْ -حتَّى الآنَ- نظريَّةً أساسيَّةً، أو نموذجًا تحليليًّا رئيسًا، إلَّا أنَّهَا حقَّقتْ -بالفعلِ- تطوُّرًا مُذهلًا خلالَ العقدَينِ الماضيَّينِ، حيثُ تمكَّنتْ مِن استيفاءِ العديدِ مِن المعاييرِ الأساسيَّةِ المتعارفِ عليهَا؛ لتأسيسِ أيِّ حقلٍ علميٍّ جديدٍ، كمَا خفَّت كثيرًا درجةُ الارتباكِ والغموضِ والجدلِ لدَى الباحثِينَ والممارسِينَ، وحلَّ محلَّهَا قدرٌ كبيرٌ مِن التَّوافقِ حولَ تخصُّصِ الدبلوماسيَّةِ العامَّةِ، وأهميَّتِهَا للسياسةِ الخارجيَّةِ، وللعلاقاتِ الدوليَّةِ.
ولمعرفة مدى التقدم الذي تحقق للدبلوماسية العامة بهذا الخصوص، يمكنني النظر إلى عدد من الجوانب، ومنها كثافة الدراسات العلمية والدوريات والكتب المتخصصة.
فخلال العقدين الماضيين كانت الدبلوماسية العامة مجالاً خصباً لأعداد كبيرة جداً من الباحثين والمؤلفين، الذين ينتمون إلى تخصصات متعددة، وهذا التنوع في التخصصات جلب معه تنوعاً في الأفكار لا يقدر بثمن.
وبالإضافةِ للحاجةِ لتجسيرِ الفجوةِ بينَ الباحثِينَ مِن هذهِ التخصُّصاتِ، فإنَّ هناكَ ضرورةً -أيضًا- لتجسيرِ الفجوةِ الحاليَّةِ بينَ الباحثِينَ والممارسِينَ.
وفِي اعتقادِي فإنَّ هذهِ الفجوةَ تُعتبرُ إحدَى العقباتِ البارزةِ التِي تواجهُ الدبلوماسيَّة العامَّة، حيثُ إنَّ هناكَ اتجاهًا وقناعةً لدَى أعدادٍ متزايدةٍ مِن الممارسِينَ بأنَّ النَّظرياتِ هِي مضيعةٌ للوقتِ، وبأنَّ الممارسةَ هِي أمرٌ مختلفٌ تمامًا، لا علاقةَ لهُ بالبحوثِ والكتبِ.
وكلمةُ «تنظيرٍ» عمومًا هِي كلمةٌ رائجةٌ وخاطئةٌ تُستخدمُ -عادةً- لوصفِ الكلامِ الفارغِ قليلِ الفائدةِ.
ولا شكَّ أنَّ تجسيرَ مثلِ هذهِ الفجوةِ، ورفعَ درجةِ التَّعاونِ بينَ الطَّرفِينَ، سوفَ يساهمُ كثيرًا فِي تطوُّرِ الدبلوماسيَّةِ العامَّةِ وقيامِهَا وفقَ معاييرَ جيدةٍ، ووسائلَ تقييمٍ مناسبةٍ، وليستْ مجرَّد اجتهاداتٍ فرديَّةٍ، كمَا يمكنهُ مساعدة الباحثِينَ علَى توجيهِ جهودهِم تجاهَ إجراءِ بحوثٍ نوعيَّةٍ مفيدةٍ، فِي قضايَا ذاتِ علاقةٍ مباشرةٍ بالواقعِ العمليِّ الذِي يهمُّ الممارسِينَ ويساعدهُم.
