قم بمشاركة المقالة علي:
يعيش العالم العربي اليوم كوارث سياسية واقتصادية واجتماعية هي الأسوأ في تاريخه، وذلك بالرغم من امتلاكه لثروات متنوعة هائلة بشرية وطبيعية وجغرافية تؤهله لأن يصبح قوة لا يُستهان بها تسهم بفاعلية في تطور العالم والثورة العلمية الهائلة التي يعيشها اليوم. هذه الثروات ليست هي كل ما يملكه العالم العربي من متطلبات النجاح والتفوق، فهناك أيضًا تماثل اللغة والدين، والتي يفترض أن تكون عامل وحدة وتلاحم لا عامل فرقة وتشرذم، رغم أن الواقع على مدى عقود طويلة يقول خلاف ذلك.
لنأخذ مثلاً أمريكا اللاتينية والتي كانت لعقود طويلة تسمّى بالقارة الملتهبة بسبب الانقلابات المتتالية والتي لم يكن كثير منها معزولاً عن التدخلات والمؤامرات الأمريكية، ومنها على سبيل المثال تلك التي حدثت في كل من جواتيمالا (١٩٥٤)، والأكوادور (١٩٦١)، والبرازيل (١٩٦٤)، والدومنيكان (١٩٦٥)، وتشيلي (١٩٧٣)، وباراجواي (١٩٧٣)، والأرجنتين (١٩٧٦)، يُضاف إلى ذلك انتشار الفقر، والجريمة، والاغتيالات السياسية، والفساد، وحروب العصابات الطاحنة.
كل هذه الظروف الكارثية التي مرّت بها القارة اللاتينية لم تمنعها من الانتفاض خلال فترة زمنية وجيزة، وتحقيق قدر كبير جدًّا من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي، بل إن بعض دولها أصبح نموذجًا دوليًّا لنجاح الإصلاحات والتنمية، ومنها تشيلي التي سميت تجربتها «معجزة تشيلي»، والبرازيل التي تُعدُّ اليوم إحدى أسرع دول العالم نموًا، وأصبحت عام ٢٠١١ سادس أكبر اقتصاد على مستوى العالم. أمّا «النموذج الأمثل للصعود من الهاوية» فهو المصطلح الذي أطلق على التجربة المذهلة للأرجنتين، التي تعرّضت عام ٢٠٠١ إلى انهيار اقتصادي وثورة غضب شعبي عارمة، سرعان ما تمكنت من تجاوزها بحسن التخطيط الذي جعلها اليوم تنعم بازدهار اقتصادي قوي، وتصنيف عالٍ جدًّا في مؤشر التنمية البشرية.
تجارب النجاح السياسي والاقتصادي في القارة اللاتينية كثيرة، وجميعها تحققت في أعقاب أوضاع كارثية لا تقل سوءًا عن تلك التي تشهدها حاليًّا أجزاء عديدة من العالم العربي، مع الفارق الكبير في الإمكانات المادية والثروات المتاحة للطرفين.
هناك دول أخرى حققت نجاحات تنموية ملهمة منها جنوب إفريقيا، وماليزيا، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، والهند، وكل منها يعتبر حالة خاصة مليئة بالعبر والدروس، بل والمفارقات التي تدعو للتساؤل كأسباب نجاح الهند وإخفاق جيرانها، ومنهم الباكستان مثلاً.
جميع تلك الدول قفزت من القاع للقمة بشكل سريع وإعجازي رغم الفقر، والتنوّع العرقي والديني والثقافي، بل ورغم المؤامرات الخارجية، وغياب الديمقراطية في العديد من الحالات.
كيف تقدمت هذه الأمم وازدهرت، بينما فشل العرب وتراجعوا؟ قطعًا ليس هناك سر لنجاحهم، فقصص ذلك النجاح معروفة ومنشورة على الملأ.. السؤال ليس عن سر نجاحهم، ولكن عن سر الإخفاق العربي والتعامي عن رؤيته!
