قم بمشاركة المقالة علي:
عندما ذكرت جهة حكومية بريطانية عن توظيفها للمعونات الإنسانية لخدمة أهداف السياسة الخارجية البريطانية، ثار نقاش حول هذا الأمر بين المتخصصين والكتاب، رأى بعضهم فيه بأن المعونات الخارجية هي شكل من أشكال القوة الناعمة المرغوبة، بينما ذهب بعضهم لاعتبارها قوة شراء، أو حتى قوة حادة sharp power تستخدم لاستغلال أزمات الدول وحاجتها، بغرض بسط النفوذ والسيطرة عليها أو على بعض قراراتها ومقدراتها.
والواقع أن هذا الأمر غالبا ما تتم إثارته في أوساط معظم الدول المانحة والمتلقية على حد سواء، وذلك من قبل المؤيدين والرافضين للمعونات الخارجية.
وسأحاول في العجالة التالية إيضاح هذا الموضوع والإجابة على بعض تساؤلاته.
بدايةً، مفهوم «القوة الناعمة» الذي صاغه للمرة الأولى جوزيف ناي في التسعينيات، يُعرِّف القوة الناعمة بأنها «قدرة دولة على التأثير في خيارات دولة أخرى بالجاذبية وبدون استخدام الإكراه أو الإغراء المادي».
وفي سياق حديثه عن المعونات الإنسانية، تحدث جوزيف ناي عن أهمية تلك المعونات باعتبارها «قوة ناعمة»؛ تساهم في زيادة جاذبية الدول وتحسين سمعتها، وتمكينها من الترويج لقيمها وأفكارها، وبالتالي تعزيز وتقوية تأثيرها دوليا. كما أشار إلى أن تلك المعونات يمكن أيضا أن تكون «قوة شراء» purchase power صلبة، عندما يتم استخدامها كوسيلة للإكراه والضغط لتحقيق أهداف معينة.
ورغم صعوبة الجزم والتفريق في كثير من الحالات، إلا أنه يمكن القول بأن المعونات الإنسانية الخارجية تكون قوة شراء صلبة عندما يكون «قصد» الجهة المانحة، هو تحقيق منفعة استراتيجية أو سياسية أو اقتصادية.
بمعنى آخر، أن يكون التبرع «مشروط» بشكل صريح (معلن أو غير معلن) بتحقيق منفعة متبادلة معينة، ومن ذلك على سبيل المثال: اشتراط الدعم في منتدى دولي، منح الصوت في الانتخابات، الدخول في تحالف اقتصادي أو عسكري، الحصول على امتياز معين كإقامة قاعدة عسكرية أو استغلال للمصادر الطبيعية مثلا.
ويمكن حتماً اعتبار تلك المعونات قوة حادة غير أخلاقية عندما يكون الهدف منها هو بسط النفوذ والسيطرة على دولة أخرى، بشكل ينتقص من سيادتها ويتحكم في بعض قراراتها.
ففي جميع هذه الحالات التي يكون الدعم المقدم فيها مشروطا، فإنه يعتبر إما «إكراه» أو «إغراء مادي» أو حتى «تهديد» بأسلوب العصا والجزرة، وهو بذلك يصبح شكلا من أشكال القوة الصلبة أو القوة الحادة.
وبعكس ذلك تماما، عندما يكون القصد من المعونات قائم على دوافع إنسانية وأخلاقية، لا تتضمن شروطا صريحة لتبادل منافع معينة، فإن تلك المعونات تصبح قوة ناعمة مشروعة تخدم الدولة المتلقية وتعينها على حل أزماتها، وتزيد تلقائيا من جاذبية الدولة المانحة وتعزز سمعتها، وتقوي مكانتها وتأثيرها الدولي. ومثل هذه القوة الناعمة تساهم في بناء الثقة وتوطيد العلاقات الإيجابية بين الدول، كما أنها تدعم قيم التسامح والسلام والتنمية الاقتصادية المستدامة.
ومن المهم بهذا الصدد، قيام الدول بتوثيق وتنسيق ونشر تفاصيل ما تقدمه من معونات إنسانية، وذلك ضمانا للشفافية والمصداقية، وللتأكد من وصول المعونات للأطراف المستحقة، وتلافيا لحدوث أي حالات فساد أو سوء استغلال لتلك المعونات. بالإضافة إلى الحفاظ على حقوق الدول المانحة في تعريف العالم بحقيقة مبادراتها ومساهماتها الإنسانية.
