قم بمشاركة المقالة علي:
تَواصلَ معي أحدُ الزُّملاء بعد قراءته لمقالي السَّابق حول التَّفضيل الذي تحظى به الشَّركات الاستشاريَّة الأجنبيَّة العاملة في المملكة بعقودها الباهظة، في مختلف القطاعات والمجالات، قائلًا لي إنَّ ذلك التَّفضيل والدَّلال لا يقتصر على تلك الشَّركات الأجنبيَّة وحدها، حيث إنَّ الأمر يمتدُّ ليشمل -أيضًا- الخبراء والمتخصِّصين الأفراد الأجانب، الذين تقوم بعض الجهات باستقطابهم ودعوتهم للمؤتمرات والمنتديات والملتقيات التي تقيمها، وذلك كمتحدِّثين ومحاضرين وأعضاء في جلسات الحوار وغير ذلك، حيث تمارس تلك الجهات في استعانتها بهم أسلوبًا تفضيليًّا وتمييزًا، مقارنةً بنظرائهم السعوديِّين، حتَّى لو كان السعودي يتفوَّق بمراحل في خبرته وعلمه ومهارته.
وبرَّر زميلي هذه الممارسة غير العادلة، بأنَّها ربما تكون ناتجةً من إدراك الجهات المنظِّمة لتلك الفعاليَّات، أنَّ الخبير والمتخصِّص السعودي يحرصُ من ناحيةِ على المشاركة بحماس؛ لدوافع وطنيَّة ومهنيَّة، كما أنَّه من ناحيةٍ أُخْرى -غالبًا- ما يتردَّد في طلب مقابل لمشاركته، ويترك ذلك للجهة المنظِّمة التي تقوم -عادةً- بالاكتفاء بمنحه درعًا أو خطابَ شُكرٍ، أو -بحدٍّ أقصَى- ما دأبت كثيرٌ من الجهات بتسميته «مكافأةً رمزيَّةً» متواضعةً.. والأمر حتَّى هنا يُعَدُّ مقبولًا لحدٍّ ما، ولا غبار عليه، ولكنَّه يصبح مدعاةً للتساؤل؛ وذلك عندما يحصل غير السعودي نظيرَ مشاركته المماثلة -ربما في المناسبة نفسِها- على مقابلَ أكبرَ بكثيرٍ، خلافَا لتكاليف سفره وإقامته وضيافته بأعلى المستويات.
مجدَّدًا، فإنَّ هذا الأمر يحدثُ بشكل مؤسف، فقطْ؛ لأنَّ الخبير والمتخصِّص السعودي يتم أخذه «على المضمون»، أو كما يُقال باللُّغة الإنجليزيَّة «being taken for granted».
مع ملاحظة أنَّ الأمر يختلف كليًّا عندما تكون دعوة المشاركة خاصَّة بمناسبة وطنيَّة، أو بفعاليَّة خيريَّة، أو اجتماعيَّة، أو أنَّها فعاليَّة لا تتوفَّر لها ميزانيَّة كافية، ففي جميع هذه الحالات تصبح المشاركة التطوُّعيَّة واجبًا ومسؤوليَّةً على الشَّخص طالما سمحت ظروفه.
ومن الضروريِّ جدًّا هنا التَّوضيح بشكلٍ لا جدالَ فيه، أنَّ الخبراء والمتخصِّصين السعوديِّين معروف عنهم أنَّهم لا يتردَّدُون أبدًا في قبول الدَّعوات للمشاركة في أيِّ فعاليَّة محليَّة ضمن اختصاصهم، ويشعرُون بالفخر الشَّديد لتقديم أقصى ما لديهم من معرفة وعلم وفكر، خلال مشاركاتهم تلك. ولكنَّ الأمرَ يكون له جانبٌ آخرُ لافتٌ، عندما يشاهد أولئك الخبراء السعوديُّون بشكلٍ متكرِّر أنَّ الميزانيَّة المخصَّصة للفعاليَّة، يتم إنفاقها بسخاءٍ وترفٍ بالغٍ على كلِّ شيءٍ، ولا يُستثنى منه سواهم؛ رغم كونهم محورًا أساسًا لنجاحها.
ختاماً، تشهد بلادنا اليوم -ولله الحمد- حراكاً تنموياً، وتوظيفاً هائلا لمصادر وكنوز قوتنا الناعمة في كافة المجالات، بكل ما يواكب ذلك من مؤتمرات ومنتديات وملتقيات.. وحتى يمكن تحقيق أقصى فوائد مرجوة من كل تلك الفعاليات، فإنها ينبغي أن تكون حاضنة أولا للمؤهلين السعوديين من خبراء وعلماء ومثقفين ومفكرين، وأن يتم منحهم كل الدعم والتقدير الذي يستحقونه، وحمايتهم من أي معاملة دونية عن غيرهم؛ أو إقصاء لا يليق بهم؛ إذا ما اتضح فعلا وجود ذلك.
